تعلقي به خرَّب عليَّ حياتي.. كيف أتحرر؟!!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : الشباب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 456
  • رقم الاستشارة : 2519
28/08/2025

والله يا أختاه، الكلام هذا من أعماق القلب وابي أشاركك فيه... والله إني أعاني من تعلّق مرضي شديد في شخص، صار هو الدنيا الثانية تبعتي. كل شي في حياتي صار مربوط فيه، أفكاري، مشاعري، حتى نومي وقيامي.

ثانية يرد علي، أحس الدنيا كلها تضحك لي وأصير طايرة من الفرحة. وإذا قصر علي، والله تروح مني الدنيا وأبدأ أفتح التلفون الف مرة، يمكن فيه رسالة؟ يمكن صار شي؟ وأبدأ أخمن وأفكر بألف سيناريو مزري... لعلي أزعجته؟ لعله فيه ثانية؟ لعله ما بيا يكمل معاي؟

حتى هواياتي اللي كنت أحبها، سكت عنها لأنه ما يحبها أو لأني دايمًا شغالة البال فيه. حتى صاحباتي صرت أبعد عنهم لأني ماعندي طاقة أسمع لهم وأنا كل عقلي وقلبي هناك.

أحيانًا أقعد مع أهلي وأنا جسديا معاهم، لكن عقلي وقلبي كلهون هناك. ماعد عرفت أستمتع بلحظة وحدي.

أنا دارية أن هذا الشي مو طبيعي، وعقلي يقولي كفي، لكن قلبي ما يسمع الكلام. تعبت نفسيًا، تعبت من الهواجس الدايمة، من كثر التفكير اللي ما له آخر، من فقدان الثقة في نفسي.

ابي أتغير، ابي أكون قوية، ابي أتحكم في مشاعري. ابي أتعلم كيف أكون مبسوطة من نفسي وحدي، بدون ما أتعلق في أحد تعلّق يمرضني.

الناس يقولولي اشغلي نفسك لكن والله المشكلة إني حتى وأنا مشغولة، هو حاضر بقوة في عقلي. شو الحل؟ من وين أبدا؟ كيف أقدر أتحرر من هالتعلّق اللي خرب علي حياتي؟

الإجابة 28/08/2025

ابنتي الغالية،

 

شعرت بصدق معاناتك وألمك الداخلي، فطريقة وصفك للحالة تكشف عن قلب نقي مفعم بالمشاعر، لكنه في الوقت ذاته يصرخ من وطأة التعلّق المرهق.

 

ومن خلال ردي عليك سوف أحاول أن أحتضن مشاعرك بكلماتي، وأطمئنك بأن ما تمرين به مفهوم جدًّا من منظور علم النفس التربوي، بل وله تفسير علمي وروحي عميق.

 

التعلق المرضي في علم النفس

 

أولًا: ما تصفينه يُسمّيه علماء النفس التعلّق المرضي Pathological Attachment أو Dependent Personality Pattern، وهو نمط يجعل الفتاة تشعر أن وجودها النفسي مرهون بالآخر، وأن فرحها وحزنها يتأرجحان وفق ردود أفعاله. هذه الدوامة مرهقة للنفس وتضعف تقدير الذات وتنظيم الانفعالات.

 

ثانيًا: من المهم أن تفهمي أن التعلّق المفرط ليس حبًّا حقيقيًّا بقدر ما هو حاجة نفسية غير مشبعة Unmet Needs تبحث عن الأمان والاهتمام. عندما نُحمّل شخصًا واحدًا فوق طاقته ليملأ هذا الفراغ كله، نصبح أسرى له.

 

والحل يبدأ من إعادة بناء العلاقة مع ذاتك، وتعزيز مفهوم Self-worth قيمة الذات، بحيث يكون وجودك ممتلئًا بذاتك قبل أي أحد آخر.

 

وديننا الحنيف يا ابنتي، علّمنا أن التعلّق المطلق لا يكون إلا بالله تعالى قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾؛ فالتعلّق الشديد بالبشر يُضعف الروح ويُرهق القلب، بينما التعلّق بالله -عز وجل- يمنحك التوازن العاطفي والقوة الداخلية.

 

ومن هنا فإن أول خطوة للتحرر، هي أن تربطي قلبك بالله عز وجل، وتجدي في عبادتك وذكرك وسجودك ملاذًا يملأ فراغك الداخلي.

 

خطوات عملية للتحرر

 

ولذا فإنني أُهدي إليك –غاليتي- خطوات عملية للتحرر من براثن ذلك التعلق الضار:

 

1- الاعتراف بالمشكلة..

 

وأنت قد فعلتِ هذا بصدق، حين راسلتني بصدق لمحاولة الخلاص من ذلك، وهذا هو نصف الحل.

 

2- إعادة برمجة التفكير :Cognitive Restructuring

 

عندما يهاجمك التفكير القهري في هذا الشخص، توقفي واسألي نفسك: "هل هذه الفكرة واقعية أم مجرد سيناريو ذهني؟".. وعقلك الناضج وقتها من سيحكم على الأمر.

 

3- عززي استقلالك النفسي..

 

جربي أن تعودي لهواياتك القديمة، ولو لدقائق يوميًّا، فهذا يعيد لعقلك مسارات الدافع والتحفيز الداخلي Intrinsic Motivation.

 

4- ضرورة تنظيم العادات اليومية..

 

النوم المنتظم، ممارسة الرياضة (لتفريغ الطاقة)، والأنشطة الاجتماعية ترفع من Dopamine levels  بطريقة صحية، فتُضعف من سطوة التعلّق وتساعد على شعورك بالسعادة.

 

5- من الجيد توسيع شبكة علاقاتك.. فالعودة لصديقاتك وأهلك تعيد لك التوازن النفسي؛ فالتعلّق غالبًا ينمو في العزلة.. وكذلك التعرف بصديقات جدد من أهل الثقة، من خلال المسجد أو الجمعيات الخيرية أو مكان دراستك.

 

6- وعليك بالتدرّج في الانفصال النفسي..

 

فلا تجبري نفسك على القطيعة المفاجئة، لكن ابدئي بتقليل مساحة التفكير تدريجيًّا عبر إشغال وقتك بمشاريع ذات معنى.

 

وكذلك البعد عن كل وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي، تجعلك متعلقة بهذا الشخص.

 

وأخيرا، ثقي يا ابنتي، أن القوة ليست ألا تحبّي، بل أن تحبّي بوعي، دون أن تفقدي ذاتك في الآخر. فالحب الناضج يقوم على التكامل لا الذوبان. وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه: "أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما"؛ فالتوازن في العاطفة هو سر السلام النفسي.

 

* همسة أخيرة لابنتي الغالية:

 

ثقي أن بداخلك طاقة عظيمة ستشرق متى ما بدأتِ رحلة التعافي خطوة بخطوة، ومع كل خطوة ستشعرين بأنك أقوى وأقدر على أن تحبي نفسك أولًا، ثم تمنحي الآخرين (ممن يستحقون) حبًّا صحيًّا متوازنًا لن تندمي عليه، والأهم أن يكون حبًّا في الله وعلى طاعة الله وكما يحب ويرضى عز وجل.

الرابط المختصر :