الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
59 - رقم الاستشارة : 4490
04/04/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية ومستشار أسـري، ألاحظ في الآونة الأخيرة تزايدًا مخيفاً في حالات (الطلاق العاطفي) والتفكك الأسـري حتى في البيوت التي تبدو ملتزمة ظاهريًّا. عند التحقيق، أجد أن المشاكل لا تأتي دائمًا من (عدو خارجي)، بل من تآكل داخلي سببه غياب الحوار، أو الجهل بالحقوق، أو طغيان المادية.
كيف يمكنني كداعية صياغة (منهج نهوض) شامل للأسـرة مستمدًا من كتاب الله تعالى وسنة نبيه؟ وما هي (عوامل النهوض) التي يجب أن نركز عليها لإعادة الدفء السكني للبيوت المسلمة وجعلها (محاضن آمنة) للأجيال القادمة؟ أرجو الإطالة في بيان (أسباب السقوط) وكيفية معالجتها دعويًّا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها المربي الحكيم.
إنَّ الأسـرة في الإسلام ليست مجرد عقد مدني، بل هي (ميثاق غليظ) ومؤسسة تعبدية تقوم عليها نهضة الأمة. إنَّ الانهيار الذي نراه اليوم هو (أزمة قيم) قبل أن يكون (أزمة طباع)، ودورك كداعية هو إعادة (البوصلة الإيمانية) للبيت المسلم.
إليك خارطة طريق تفصيلية لترميم الكيان الأسـري، مستوحاة من دراسة أسباب الانهيار وعوامل النهوض في حياة الأسرة المسلمة واقعيًّا:
أولاً: تشخيص (أسباب السقوط) (الاعتراف بالخلل): لكي يعالج الداعية المشكلة، يجب أن يضع يده على مكامن الداء، ومن ذلك ما يأتي:
1. غياب (المرجعية الأخلاقية): حين يتحول البيت إلى ساحة (صراع قوى) بدلاً من (تكامل أدوار)، تضيع الحقوق. غياب التقدير المتبادل، والاستهانة بالطرف الآخر، هما أول مسمار في نعش الاستقرار الأسـري.
2. الجهل بـ (فقه العشـرة): الكثير من الأزواج يدخلون الحياة الزوجية بمعلومات (مسلسلاتية) أو (تجارب مشوهة)، ويجهلون المنهج النبوي في (الإمساك بمعروف أو التسـريح بإحسان).
3. الاختراق الرقمي للخصوصية: أصبحت (الشاشات) ضرةً ثالثة داخل البيت؛ حيث تسببت في (العزلة داخل الأسـرة الواحد)، وانشغال الوالدين عن الأبناء، مما أضعف الروابط العاطفية.
ثانيًا: (عوامل النهوض) (استراتيجية الإصلاح الدعوي): للنهوض بالأسـرة من جديد، يجب تفعيل المحاور التالية في خطابك واستشاراتك:
1. إحياء مبدأ (السكينة والمودة): ذكّر الأزواج بأن الغاية من الزواج هي (لتسكنوا إليها). السكن يعني الهدوء النفسـي، والمودة تعني الحب العملي. شجعهم على تخصيص (وقت مقدس) للحوار اليومي بعيدًا عن ضجيج الهواتف.
2. التوعية بـ (التكامل لا التماثل): علمهم أن الرجل والمرأة يكمل كل منهما الآخر بصلاحياته وواجباته التي حددها الشـرع. (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة)؛ وهذه الدرجة هي درجة (قوامة الرعاية والخدمة) لا (التسلط والقهر).
3. التربية بـ (القدوة المنزلية): وجه الآباء إلى أن أبلغ درس يقدمونه للأبناء هو (إكرام الأم)، وأبلغ درس تقدمه الأم هو (احترام الأب). الأسـرة تنهض حين يرى الأبناء (الإسلام) يُمشى على قدمين داخل ردهات المنزل.
ثالثًا: التدخل الدعوي الوقائي (صناعة الحصانة):
1. تأسـيس (مدرسة التأهيل الزوجي): لا تنتظر وقوع الطلاق؛ بل أسس دروسًا للمقبلين على الزواج تشـرح (الحقوق، الواجبات، مهارات حل النزاع، والذكاء العاطفي النبوي).
2. تعزيز (التكافل الأسـري): اربط الأسـر ببعضها البعض في أنشطة دعوية واجتماعية، لتشعر الأسـرة بأنها ليست وحيدة، ولتستفيد الأسـر الشابة من خبرة الأسـر المستقرة.
وأنصحك ختامًا بالآتي:
1. اجعل (الصلح) هو الأصل: عند تدخلكم في النزاعات، غلّبوا دائمًا كفة (والصلح خير)، مع الحفاظ على كرامة الطرفين، واستخدام أسلوب (الستر) الذي حث عليه الإسلام.
2. التركيز على (الأجيال): ذكّر الوالدين دائمًا بأن ضريبة التفكك يدفعها (الأطفال)؛ فالبيت المنهار يخرج نفوسًا مهزوزة، والبيت المستقر يخرج (أبطالاً) للأمة.
3. الصبر على التغيير: ترميم القلوب يحتاج وقتًا؛ فكن صبورًا في استشاراتك، واستخدم (الوعظ الحاني) الذي يلامس الفطرة.
4. التوجه لله: اختم استشاراتك دائمًا بتوجيه الأسـرة لـ (صلاة الجماعة) في البيت وكثرة الذكر؛ فـ (البيت الذي يُذكر فيه الله) هو بيتٌ لا يسكنه الشيطان.
وأسأل الله العظيم أن يجعل بيوت المسلمين واحات للأمن والإيمان، ويجعل على يديك مفاتيح الخير لإغلاق أبواب الشقاق، ويجعل سعيك في حماية الأسـرة سببًا في عزة الأمة وصلاح حالها.
روابط ذات صلة: