الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : العائلة الكبيرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
220 - رقم الاستشارة : 3625
20/12/2025
السلام عليكم ورحمة الله.. أنا فتاة قاهرية أنهيت لتوي دراستي الجامعية.. تقدم لخطبتي زميلي في الكلية ذي الأصول الصعيدية وجاء مع عائلته، وما فهمته أنه من عائلة كبيرة ولديهم كثير من الأراضي الزراعية والممتلكات..
زميلي صاحب خلق ودين وأنا أشعر بالارتياح له بشدة.. المشكلة أنه يطلب مني أن أعيش معه في بلدته في الصعيد ويغريني بأنهم يعيشون في بيت واسع وأنيق يشبه الفيللا وأنني لن أشارك في أي أعمال خارج البيت، ويقول إن الصورة النمطية عن شكل الحياة في الصعيد ليست صحيحة وإنني سأعيش حياة رغدة وإن كرامتي ستكون مصانة، وحتى أنه قال إنني يمكن أن أعيش منفصلة تماما ولكن داخل بيت العيلة "الفيللا".
لكن على الرغم من ذلك أنا قلقة وغير قادرة على اتخاذ قرارو والدي ترك لك حرية اتخاذ قرار.. لكنه أبدى تخوفه من بعد المسافة.
المشكلة الأكبر انني شعرت أن شخصية والد هذا الشاب مسيطرة لقد كان يشبه عجوز المترو الذي انتشر على منصات التواصل.. كنت أشعر أن له نفس الحدة وأنه سريع الغضب.
باختصار زاد هذا من قلقي.. فهل أقبل بزميلي الخلوق أم أرفض لاختلاف الثقافات والبعد المكاني.. أنا حائرة وأرجو أن تساعدوني.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك ابنتي الكريمة في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.
ابنتي الكريمة، الزواج أحد أهم القرارات المصيرية التي يتخذها الإنسان في حياته، لذلك عليه أن يتمهل ويدقق عند أخذ هذا القرار خاصة في هذا العصر الذي نعيشه بتعقيداته التي لم تكن موجودة فيما سبق.. يتمهل دون مبالغة أو وسوسة بالطبع، بل عليه أن يتخذ قراره بصورة متوازنة وهو يجعل من الخلق والدين معيارًا أساسيًّا للقرار، وفي ضوء هذا أريدك أن تقومي بتقييم هذا العرض.
الخلق والدين
يقول النبي ﷺ: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد)؛ فالدين والخلق هو الركيزة الأساسية التي على أساسها يتم قبول خاطب أو رفضه، لكن السؤال لماذا ذكر النبي ﷺ الخلق رغم أن الدين يحوي مكارم الأخلاق.. كثير من العلماء يرى أن السبب هو إبراز أهمية الخلق والتأكيد على ذلك وهذا صحيح بالطبع.
لكن ألا ترين معي أن بعض الأخلاق لا ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالدين بل بالعادات والثقافات والتقاليد أو ما يطلق عليه أخلاق المروءة وهي أمور مباحة، ولكن على الرغم من ذلك تبدو غير مقبولة بحسب أخلاق المروءة التي تتغير بتغير الزمان والمكان والثقافة، أو كما قال الإمام النووي: (والمروءة تخلق بخلق أمثاله في زمانه ومكانه، فالأكل في سوق والمشي مكشوف الرأس وقبلة زوجة وأمة بحضرة الناس وإكثار حكايات مضحكة ولبس فقيه قباء وقلنسوسة حيث لا يعتاد وإكباب على لعب الشطرنج أو غناء أو سماعه وإدامة رقص يسقطها، والأمر فيه يختلف بالأشخاص والأحوال والأماكن).
في ضوء هذا دعينا نحلل شخصية عجوز المترو الذي استشعرت أنه يشبه حماك.. رجل صعيدي مسن تجاوز السبعين رأي فتاة جالسة تضع ساقًا فوق ساق في جلسة شهيرة يجلسها البعض رجالاً ونساء بشكل عفوي، فاعتبر هذه الجلسة إهانة له بحكم السن وإهانة لجميع الرجال الجالسين في مواجهتها، حيث يرى عجوز المترو أن جلسة الفتاة تمثل عدم احترام للرجال؛ لأن لديه قيمة أخلاقية أن على النساء بوجه عام احترام الرجال بوجه عام وتقديرهم ووضعهم في مرتبة أعلى حتى لو لم تجمعهم بهم أي صلة.
كما أن لديه قيمة أخلاقية أن الجلسة بوضع ساق فوق ساق هي جلسة تنم عن عدم الاحترام وليست جلسة عفوية فلا تليق من الصغير أمام الكبير أو من المرأة في مواجهة الرجال.. وهذه كلها أمور عرفية بحسب ثقافته... تمامًا كما يرى آخرون في المدن أنه من الخلق أن تدخل النساء أولا في أي مكان، بينما يرى الرجال في الريف أنه من غير اللائق أن تتقدم المرأة الرجال وهكذا.. الشاهد أن أخلاق زميلك وعائلته بالمعنى الواسع للأخلاق قد لا ترضينها والمشكلة الحقيقية أنك لا تعرفينها.
المعرفة والرضا
ابنتي الكريمة، يبدو لي من رسالتك أنك لا تعرفين الكثير عن الحياة في الصعيد أكثر مما تقدمه الدراما أو أفلام السينما؛ لذا حرص زميلك أن يشرح لك بعض جوانب الحياة ولكن للأسف هذاالشرح غير كاف!.. كثير من الزيجات الناجحة عاشت فيها فتيات من المدن الكبرى في الصعيد، لكن في الغالب كان لديهن أصول صعيدية ويعلمن صورة وواقع الحياة هناك، وبالتالي فلا مجال للمفاجآت أو العادات غير المفهومة.
البديل لذلك هو السؤال والبحث عن قرب، فعلى ولي أمرك زيارة المكان مرة واثنتين والوقوف على الوضع الراهن، ومن الأفضل أن تصحبه والدتك حتى تنقل لك تفاصيل ما يدور في الأوساط النسائية هناك، فأنت يا عزيزتي لن تستطيعي الذهاب بنفسك لأن زيارة العروس لبيت عائلة خطيبها أمر غير لائق ومستهجن عند الأغلبية الساحقة في الصعيد!
السؤال والبحث والتحري وفهم العادات والأخلاقيات مسألة ينبغي أن تسبق القبول، فلا يكفي ما ترينه من مظاهر الدين والصلاح على زميلك، فأنت لن تتزوجيه في الفراغ بل ستتزوجينه في بيت عائلته وفقًا لعادات وتقاليد وأخلاقيات ينبغي أن تكوني متفهمة إياها جيدًا وقادرة على التعاطي معها.
مسأل البعد المكاني والسفر الطويل التي ذكرها لك والدك مسألة ينبغي أن تضعيها في حساباتك، فأنت لن تستطيعي زيارة عائلتك إلا على فترات طويلة، فهل أنت متفهمة ذلك؟ وهل أنت متقبلة ذلك؟ إذا كان ردك هو لا بأس فالكثيرات يسافرن خارج القطر كله تكون نقطة السؤال والتحري والتدقيق في نمط وتفاصيل الحياة هناك، فإذا راقك الأمر أو على الأقل لم يزعجك فتوكلي على الله وصلي صلاة الاستخارة واقبلي.
بينما إذا كنت لا تتصورين هذا الابتعاد الطويل عن عائلك أو لا تتقبلين شكل الحياة في بيت عائلة زميلك حتى لو صدق في توفير سكن مستقل أو كنت لا تشعرين بالارتياح نحو حماك أو حماتك أو تشعرين بشيء من الغموض، فأي سبب من هذه الأسباب يمنحك الحق في الرفض دون أن تشعري بالذنب أو تأنيب الضمير.. أسعد الله قلبك يا ابنتي وأراك الحق حقًّا ورزقك اتباعه.
روابط ذات صلة: