الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
436 - رقم الاستشارة : 2358
13/08/2025
أنا سيدة أحرص قدر استطاعتي على الطاعات وأداء فروضي. ولكنني أجد صعوبة في الخشوع في الدعاء أحيانًا، خاصةً عندما يكون الدعاء خالياً من استحضار مواقف شخصية مؤثرة.
أنا لا أقصد أنني أتعمد استحضار هذه المواقف، ولكنني أجد نفسي تلقائيًا أستحضر من حياتي الماضية ذكريات قديمة مؤلمة أثناء الدعاء، والمفاجأة أنني أجد في هذه اللحظات قلبًا خاشعًا وعينًا باكية، وأشعر بتضرع وصدق في الدعاء لم أكن لأجده لو لم أستحضر هذه الذكريات.
فهل يُعد التوسل بالبكاء الناتج عن هذه الذكريات المؤلمة مقبولاً ومأجوراً؟ أم أن هذا البكاء ليس خشوعًا حقيقيًا، ويجب أن يكون الدعاء نابعًا فقط من الخشية من الله وشوقًا إليه؟
وهل يُعتبر هذا البكاء المتكرر علامة على رقة القلب وقربه من الله، أم أنه قد يكون مؤشراً على اضطراب عاطفي أو نفسي مرتبط بالماضي لم أتمكن من التخلص منه؟
جزاكم الله خيرًا على وقتكم وجهدكم.
مرحبًا بك أختي الكريمة، وأسأل الله أن يبارك فيك، ويتقبل منك طاعاتك، ويجعلنا وإياك من عباده الصالحين الخاشعين، الباكية عيونهم من خشيته، وبعد...
فإن «الدعاء هو العبادة»، كما أخبر النبي ﷺ، وهو صلة مباشرة بين العبد وربه، ولذلك كان الخشوع فيه من أعظم المطالب. والله -سبحانه وتعالى- يحبُّ أن يسمع صوت عبده الخاشع في الدعاء، ووعده الإجابة، فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكمْ﴾ [غافر: 60].
والخشوع في الدعاء هو حالة قلبية روحانية صادقة، يمتزج فيها الحب والخوف والرجاء، فيشعر العبد بضعفه المطلق أمام قوة الله المطلقة، وبفقره إلى غنى الله الواسع، فيذوب قلبه شوقًا وطمعًا فيما عند الله، فينعكس ذلك في عينيه رقة وبكاء.
التوسل بالبكاء الناتج عن الذكريات المؤلمة
لا خلاف في أن القلب المؤمن قد يتأثر ويتفاعل مع ما يمرُّ به من تجارب الحياة، حلوها ومرها، وهذا أمر طبيعي. فاعلمي –يا أختي- أن بكاءك هذا، ما دام يقودك إلى التضرع إلى الله، وطلب العون منه، واللجوء إليه، فهو في حقيقته خشوع مقبول، ومأجور بإذن الله.
لماذا؟ لأن هذا البكاء لم يكن غاية في ذاته؛ بل كان وسيلة دفعك للتوجه إلى الله وحده. عندما تتذكرين آلامك، فإنك في الحقيقة تستشعرين ضعفك وعجزك أمام قدرة الله، وتدركين أن ما ألمَّ بك كان بقدر الله، وأن تفريج الكرب لا يأتي إلا من عنده سبحانه.
يقول الله –تعالى- في وصف حال المؤمنين المنيبين: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9].
فحالة البكاء التي تشعرين بها، هي علامة على أن قلبك يستحضر حاجته إلى الله، وهذا هو جوهر الخشوع. فالخشوع ليس فقط في الخشية من الله والشوق إليه؛ بل هو أيضًا في إدراك العبد ضعفه وعجزه، وأن الله هو وحده القادر على كشف الضر، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْك اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس: 107].
فلا تظني أبدًا أن هذا البكاء غير مقبول، أو أنه ليس خشوعًا حقيقيًّا؛ بل هو خشوع حقيقي نابع من تجربة شخصية جعلتك تلجئين إلى الله بقلب منكسر، وهذا القلب المنكسر هو أحبُّ القلوب إلى الله. وظنُّك بالله في هذه اللحظات أنه وحده القادر على رفع ما في قلبك من ألم، هو عبادة عظيمة ناتجة عن إيمان عميق.
رقة قلب لا اضطراب نفسي
وبشأن سؤالك عما إذا كان هذا البكاء المتكرر علامة على رقة القلب أم على اضطراب نفسي، فأجيبك بفضل الله وتوفيقه بأن هذا في الغالب علامة على رقة قلبك وخشوعه وقربه من الله. فالقلب الرقيق هو القلب الذي يتأثر، ويشعر، ويتفاعل مع الحياة، فيتأثر بالقرآن، ويتأثر بالدعاء، ويتأثر بذكرياته الأليمة أيضًا؛ لكن هذا التأثر لا يجعله يغرق في اليأس أو الحزن؛ بل يدفعه إلى الله والقرب منه وسؤاله. هذا هو الفارق بين القلب الرقيق والقلب المريض. القلب المريض يغرق في حزنه ويأسه، أما القلب الرقيق فيجعل من هذا الحزن بابًا للدخول منه إلى الله.
وفي الحديث الشريف، ذكر النبي ﷺ فيمن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» [رواه البخاري].
أما الخشية من أن يكون هذا اضطرابًا نفسيًّا، فإذا كان هذا البكاء يدفعك إلى الله، ويزيد من إيمانك ويقينك، فهو ليس باضطراب نفسي أبدًا؛ بل هو وسيلة لتطهير قلبك من شوائب الماضي، وإعادة توجيه مشاعرك نحو خالقها.
وختامًا -أختي الفاضلة- استمري في دعائك، ولا تتوقفي عن استحضار ما يجعل قلبك يلين. إن هذا البكاء دليل على رقة قلبك، ونقاء سريرتك، وصدق توجُّهك إلى الله. اجعلي من كل ألم مررتِ به دافعًا أكبر للتقرب من الله، وتذكري دائمًا أن الله يراك ويسمعك، وأنه أقرب إليك من حبل الوريد.
أسأل الله أن يبارك فيك، وأن يثبتك على الحق، وأن يجعل دعواتك كلها مستجابة، وأن يملأ قلبك بالسكينة والطمأنينة، ودمتِ في رعاية الله وحفظه، وتابعينا بأخبارك.