الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الأطفال
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
358 - رقم الاستشارة : 3510
06/12/2025
أنا خالة شايلة هم أختي وابنها.. ابن أختي عنده ٦ سنين، بس بصراحة مسبب لنا حالة من التوتر في البيت.
الولد ما شاء الله ذكي ومليان طاقة، لكن في نفس الوقت مخــرّب بشكل مش طبيعي… مفيش حاجة في البيت بتسلم منه.
يكسر لعبه، ويقطع الكراريس، ويفتح الأدراج ويفرّغها، ولو رحنا زيارة عند حد يفضل يلف في البيت ويفتح الدواليب ويوقع حاجات.
أخته الصغيرة عندها سنتين، ومرات يقرب منها يشد شعرها أو ياخد لعبتها ويتعصب لما حد يقوله لا.
أختي بقت على أعصابها طول اليوم، وكل شوية تقول: “هو ابني ليه كده؟ هو عنده مشكلة؟ ولا ده طبيعي؟”
والصراحة… إحنا بقينا محتارين بين إنه عنده طاقة زائدة، وبين إنه عنده سلوك تخريبي محتاج تدخل.
إحنا عايزين نطمّن… ونفهم: هل ده مجرد لعب طفل؟ ولا مؤشر لمشكلة تربوية لازم نلحقها من دلوقتي؟
أيتها الخالة الطيبة..
بداية أغلب ما وصفتِه لا يعني بالضرورة وجود "خلل"، بل يشير في كثير من الأحيان إلى طاقة عالية جدًّا واحتياج واضح إلى توجيه منضبط.
دعيني أشرح لكِ الأمر بتفصيلٍ مبسّط:
أولًا: طبيعة الطفل في عمر الست سنوات..
هذا العمر يُسمّى في علم النفس التربوي مرحلة الاندفاع الحركي، حيث يتفوّق الجزء الحركي في دماغ الطفل على قدرته على الضبط الذاتي (Self-Regulation) فالطفل يتحرّك قبل أن يفكّر، ويلمس قبل أن يسأل، ويجرّب قبل أن يفهم العواقب.. ولا نستطيع أن نغفل دورًا مهمًّا لبعض الجينات.
لذلك قد يظهر بـ"سلوك تخريبي"، بينما الحقيقة أنّه طفل يبحث عن اكتشاف، وتجريب، وتفريغ للطاقة.
ثانيًا: متى يكون السلوك طبيعيًّا؟ ومتى يستدعي الانتباه؟
سلوك ابن أختكِ أقرب كثيرًا إلى النشاط الزائد غير المرضي، والفرق الجوهري هنا أنّ الطفل:
- ينتبه عند توجيهه بهدوء.
- يهدأ إذا وُجّه إلى نشاط يناسب طاقته.
- ويتفاعل اجتماعيًّا بشكل طبيعي.
وهذه كلها مؤشرات إيجابية.
أما السلوك الذي يستوجب القلق فهو السلوك المصحوب باضطراب في الانتباه والتركيز (Attention Deficit) أو عدم استجابة للتوجيه إطلاقًا، وهذا أنت لم تذكريه، وهو أمر مطمئن.
ثالثًا: لماذا يخرب أشياءه وأدراج البيت؟
ما يقوم به الطفل يُسمّى في علم النفس Exploratory Behavior، أي السلوك الاستكشافي.
الطفل في هذا العمر يحتاج أن يعرف: ماذا يوجد داخل الدرج؟ لماذا تنكسر اللعبة؟ ماذا يحدث لو فتحت الزجاجة؟
إنه "يدرس العالم" بطريقته. لكن عندما لا يُضبط هذا الاستكشاف بقواعد يتحوّل إلى فوضى.
رابعًا: لماذا يؤذي أخته أحيانًا؟
ليس بالضرورة عدوانًا، بل غالبًا هو:
- محاولة لجذب الانتباه والبحث عن الاهتمام.
- وقد تكون غيرة طبيعية؛ لأن أخته الصغرى تحظى برعاية دائمة.
- أو عدم قدرة على التعبير لفظيًّا عن انزعاجه.
وكلها أمور تُعالج بسهولة بخطوات تربوية واضحة بعون الله.
خامسًا: ماذا نفعل مع طفل "مخرب" وطاقته عالية؟
سأعطيكِ خطة عملية واقعية، مناسبة لبيوتنا، ومبنية على أسس علمية:
1. توفير قنوات تفريغ للطاقة:
- وقت لعب في الهواء الطلق أو في مساحة واسعة داخل البيت.
- أنشطة بدنية يومية: جري، قفز، لعب بالكرة.
لأن الطفل الذي لا يفرغ طاقته سيفرغها في التخريب.
2. إعطاؤه مهام صغيرة "يرأس" فيها (Leadership Tasks)مثل: ترتيب ألعابه، جمع الأقلام، مساعدة الأم في إحضار شيء. فهذا يعزّز لديه الشعور بالمسؤولية، ويحدّ من سلوكه الفوضوي.
٣. استخدام قاعدة: "قبل أن تلمس.. اسأل":
وهي استراتيجية ممتازة لضبط الاندفاع. فكلما فتح درجًا أو حاول التخريب، تذكّريه بلطف:
«قبل ما تمدّ إيدك… اسأل الأول».
4. تنظيم وتأمين البيئة من حوله:
كإغلاق الأدراج التي تحتوي على أشياء قابلة للكسر، وإبعاد ما يُغريه باللمس. فالتربية ليست ضبط الطفل فقط، بل ضبط البيئة المحيطة به.
5. التعامل مع شقاوته بهدوء لا بعقاب قاسٍ:
هذا لأنّ الشدة تولّد العناد (Oppositional Behavior)، بينما الهدوء مع الثبات على القواعد يولد الطاعة التدريجية.
٦. ولا بد من تعزيز السلوك الإيجابي (Positive Reinforcement):
عندما يهدأ، أو يلعب بهدوء، أو يحافظ على لعبته، امدحوه مباشرة.. فالمدح الفوري يصنع سلوكًا راسخًا.
وتذكروا حبيبتي قول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾، وفي هذا تذكير بأنّ الطفل ضعيف الوعي، ضعيف التحكم، يحتاج رحمةً وصبرًا.
وقال رسول الله ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، والتربية الحقيقية أن نملك غضبنا أمام اندفاع الصغار. بل قال ﷺ في شأن الأطفال: «من لا يرحم لا يُرحم»، والرحمة مع الحكمة هي المفتاح.
فابن أختكِ يا عزيزتي، ليس مخربًا بطبعه، بل هو طفل ذو طاقة عالية وحاجة كبيرة للاكتشاف، مع نقص في مهارات الضبط الذاتي.
هذا السلوك قابل جدًّا للتعديل إذا تمّ التعامل معه بمنهج يجمع بين:
- الحب والاحتواء..
- الثبات في القواعد..
- وتوفير بدائل للتفريغ الحركي.
* همسة أخيرة:
اطمئني –غاليتي- إن شاء الله مع الوقت، سيتحوّل هذا النشاط إلى ذكاء، وهذا الاندفاع إلى حيوية، وهذا التخريب إلى إبداع.
روابط ذات صلة: