عمل الزوجة وأمان الأطفال

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
  • القسم : استشارات أخرى
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 293
  • رقم الاستشارة : 3827
14/01/2026

أنا وزوجي نعمل لعدد طويل جدًّا من الساعات يتجاوز الـ 12 ساعة يوميًّا .. نحن من أبناء الطبقة المتوسطة ولدينا طفل صغير أتركه في رعاية والدتي وكان أقصى أحلامي أن أكفل له تعليمًا مميزًا وألحقه بإحدى المدارس الدولية، لكنني فجعت بحوادث التحرش في هذه المدارس التي كنت أظنها آمنة.. ما هي نصيحتكم لي؟

الإجابة 14/01/2026

أختي الكريمة، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.

 

الوضع الذي تحكينه -يا عزيزتي- صعب جدًّا، فأن يفتقد الطفل رعاية والده ووالدته طيلة اليوم أمر لا يعوضه أي مال أو أي ألعاب أو أي مستوى اجتماعي أو أي مستوى تعليمي.. لا شيء يعوض هذا الحرمان الذي يمثل للطفل هوية وانتماء.

 

الجدة المسنة لا تستطيع وحدها احتواء الطفل وقد تتعارض نمط تربيتها مع النمط الذي ترغبين فيه، فغالبًا ما تميل الجدات إلى التساهل مع الأطفال كلون من ألوان تعويض غيابك ولكنه تعويض غير صحي؛ لأنه كما قلت لك يبقى داخل فراغه لا يشغله إلا وجودك أنت ووالده.. أنت بالذات يحتاجك كمًّا وكيفًا.

 

أختي الكريمة، ما هو الدافع لهذا الحرمان؟ إلحاق الطفل بمدرسة دولية.. إليك إذن ما يمكن أن يعانيه طفل في مدرسة راقية فخمة إذا غابت أمه عن المشهد.

 

المال والأمان

 

يتصور البعض أنه بمجرد دفع المبالغ المالية الباهظة لإلحاق ابنه أو ابنته في إحدى المدارس الدولية أن الطفل موجود في بيئة آمنة تربويًّا وأنه قام بواجبه نحو الطفل.. بعض العائلات تلهث حرفيًّا كي يستطيعوا تدبير هذه الأموال، على اعتبار أن هذا هو الاستثمار الأكبر في حياتهم (الاستثمار في تربية الأبناء وتعليمهم بأعلى مستوى ممكن).

 

وقد يكون المقابل أن يعمل الأب والأم معًا لساعات طويلة جدًّا (كما يحدث في أسرتك) حتى يمكنهم تدبير المال اللازم لشراء البيئة الآمنة للطفل عبر هذه المدارس، وحيث لا يتبقى لدى هؤلاء الوالدين بعض الوقت والجهد لاكتشاف أن الطفل الصغير يعاني بدنيًّا ونفسيًّا لفترات طويلة دون أن يمتلك القدرة على البوح والتعبير؛ لأنه ببساطة خائف.

 

ثم تفيق هذه العائلة النمطية على بلاغ رسمي قدمته أم أخرى متنبهة أو أب متيقظ اكتشف حقيقة ما يجري في كواليس المدرسة الدولية الكبيرة ذات الصيت الرنان وأن الأطفال الصغار لا تتوفر لهم حاضنة تربوية آمنة ويتعرضون لجرائم تحرش شديدة البشاعة.

 

ستجدين الكثيرين يعارضون هذه الرؤية ويرون أنها رؤية تشاؤمية لحالات فردية حتى يشجعوك أن تستمري على هذا النمط من التفكير.

 

والواضح من هذه الجرائم أنها ليست حالات فردية تخص مدرسة محددة؛ فالبلاغ الواحد تتوالى بعده العديد من البلاغات، ولكن على الرغم من ذلك تصر العائلة النمطية على الإنكار، فهم لا يتخيلون أن ما حدث للآخرين من الممكن أن يحدث معهم، وأنه بعد كل ما دفعوه لهذه المدرسة التي كان سداد أقساطها أول بنود الميزانية أن طفلهم كان ضحية صامتة سيق على مذبح الإهمال واللاأخلاقية فيها فينكرون ما يحدث ولا يعدونه أكثر من حالة فردية أو بضع حالات على أقصى تقدير.

 

بل إن بعضهم بعد تأكده من أن طفله قد وقع فريسة لمجرم بيدوفيلي سادي يحجم عن الإبلاغ خشية الفضيحة والوصم الاجتماعي، بينما العائلات التي لم تتردد في الابلاغ وضعت حق طفلها في الحماية والأمان على رأس الأولويات.. لذلك فالحالات التي تم الإبلاغ عنها أقل بكثير من الحالات الحقيقية التي تعرضت للاعتداء والتحرش.

 

حوادث صادمة ومفجعة في الأسابيع الأخيرة من العام المنصرم شهدتها عدد من المدارس الدولية الشهيرة التي تمتلك أبنية فخمة فارهة ولكنها غارقة في الإهمال والفساد.. كثير من الأمهات حذرن من الفجوة الزمنية في مواعيد انتهاء اليوم الدراسي بين طلاب الحضانة وبين باقي الصفوف، حيث تم استغلال هذه الفجوة التي لا تقل عن نصف ساعة في معظم حوادث التحرش وهتك العرض لأطفال معظهم دون الخامسة من العمر.. مدارس فخمة لا تتوفر فيها كاميرات مراقبة في كثير من الأماكن التي يطلق عليها مناطق الظل (ممرات الحمّامات – مخازن – ممرات جانبية - غرف غير مستخدمة) في بعض الحوادث استمر الانتهاك في غرفة واحدة لمدة عام دراسي كامل، ولما بدأ العام الدراسي الجديد اختار الجناة غرفة جديدة لممارسة جرائمهم.

 

في بعض المدارس كان هناك شبكة من المتحرشين لا فردًا أو اثنين وكلما توسعت التحقيقات تم كشف المزيد من الجناة فكيف نجح هؤلاء في اختراق المدرسة على هذا النحو.

 

شهادات الأطفال مرعبة فإن كان البعض استخدم الحلوى حتى يوقع بالضحايا الأبرياء؛ فبعضهم استخدم السكين للتهديد وكمم الأفواه ومارس سلوكًا عنيفًا.. والتفاصيل مقززة ومرعبة.

 

في بعض الحوادث قيل أن هناك بعض المجرمين كانوا يسلمون الأطفال لبعض وهناك من كان يعمل على تنظيف الأطفال وإصلاح مظهرهم حتى لا تنكشف الجريمة، وعلى الرغم من ذلك تم اكتشاف خلايا بشرية على ملابسهم، وبعض هذه الجرائم تم وقف النشر فيها لخطورة ما يتم تداوله من معلومات مرعبة.

 

فهل كانت هذه الجرائم ناتجة عن إدارة جشعة راكمت المال ولم تهتم بتأمين المباني والمنشآت، وتساهلت في توظيف عمال وعاملات وموظفين وموظفي أمن دون المستوى الأخلاقي والنفسي حتى تدفع لهم رواتب ضئيلة ثم، تساهلت في كشف الجريمة وحاولت طمس الحقائق وتركت المتهمين في وظائفهم رغم كل الشكاوي حتى لا تخدش سمعة المدرسة ومن ثم تنضب تدفقات الأموال..

 

هل الأمر هكذا فعلاً أم أن هناك أمرًا أكثر خطورة وبشاعة وراء ما يجري؟ أريدك أن تفكري بهدوء دون أن يخدعك المبنى المدرسي الفاره من الخارج والمفرغ من الأمان من الداخل.

 

بالطبع لا يمكننا التعميم فهناك مدارس دولية منضبطة ذات إدارة حازمة تضع حماية الأطفال وأمانهم على رأس أولوياتها؛ لذلك فإذا كنت مصممة على إلحاق طفلك بمدرسة دولية فعليك أن تفكري في اهتمام المدرسة بالأمان قبل أن تفكري في السمعة الأكاديمية للمدرسة.. لكن تذكري أنه مهما كانت سمعة المدرسة واهتمامها فطفلك لن يحصل على الأمان إلا بأن تكوني متاحة له كي يستطيع الكلام بأمان.. لا بد أن تكوني متاحة وغير مضغوطة حتى تلاحظي أي تغير غير طبيعي على طفلك.

 

كيف نحمي أطفالنا؟

 

نحن لا نملك العالم الخارجي مهما بذلنا من جهد في البحث عن مكان آمن، وبالطبع لا يمكن أن نحبس أطفالنا ونمنعهم من المدرسة والتمرين لأنهم قد يلتقون هناك بالمجرمين.. الحل الأساسي أن يكون البيت آمنًا يعلم الطفل أن يحكي عما يؤلمه أو يزعجه دون خوف..

 

البيت الآمن لا علاقة له بالثراء أو الفقر فهناك بيوت يغلفها الثراء لكن يعشش فيها الإيذاء والخوف والإهمال، فلا يستطيع الطفل أن يحكي ما يتعرض له أو يخاف أن يحكي. أما البيت الآمن فيحكي فيه الطفل أدق التفاصيل ويجد من ينصت له.

 

في إحدى المدارس التي وقعت فيها الحوادث المؤسفة الأخيرة طفلة صغيرة حكت لأمها أن بعض زملائها يتم أخذهم فترة من الوقت لا تدري إلى أين ثم يعودون، والأم التي لم تهمل هذه المعلومة بدأت بالبحث وراءها وسألت واستفسرت وأخبرت بقية أولياء الأمور ولم تنتظر حتى يحدث نفس الأمر مع طفلتها.

 

في حادثة أخرى لاحظت الأم سلوك طفلها مع أخيه الصغير، وعندما سألته ودققت في السؤال عرفت أنه يحاول تقليد ما يحدث معه..

 

غياب الأم عن البيت كارثة ووجودها وعدم إنصاتها لما يقال كارثة أخرى، وليس كل ما يقال كلام، فعندما يعاني الطفل من الكوابيس.. التبول اللا إرادي.. الانطواء أو العصبية المبالغ فيها، فهذا كله كلام غير منطوق لكنه يحمل رسالة بالغة الأهمية ينبغي على الأم الواعية ألا تفلتها.

 

التحرش لا يحدث فقط لأن هناك مجرمًا مدمنًا للإباحيات، بل لأنه وجد مكانًا غير منضبط، وإدارة متساهلة مغيبة، وطفلاً خائفًا لم يتعلم التفرقة بين اللمسة الآمنة وغير الآمنة، وعائلة مشغولة غير متنبهة لما يجري لطفلها فانتبهي عزيزتي.. واهتمي بالتوازن في حياتك.. لا أقول لك لا تعملي، ولكن أقول لك اعملي عملاً لا يؤثر على بيتك ولا على رعايتك لطفلك، ومدرسة متوسطة مع وجود أم واعية منتبهة خير من مدرسة فخمة وأم غائبة.. أراك الله الحق حقًّا ورزقك اتباعه، وتابعيني بأخبارك.

 

روابط ذات صلة:

عمل المرأة المعول الأول لهدم الأسرة

«الخصوصية الجسدية»: ضرورة تربوية لطفولة آمنة

كيف نجنِّب أبناءنا أخطار التحرش الجنسي؟

الرابط المختصر :