الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الأطفال
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
283 - رقم الاستشارة : 3712
29/12/2025
أنا عندي ولدين يا دكتورة أميمة، الكبير عمره ٧ سنين والصغير٤ سنين. مشكلتي مع ابني الصغير، لأنه بيغير من أخوه الكبير غيرة شديدة جدًا على أقل حاجة.
أول ما أخوه يرجع من المدرسة ويحكي اللي عمله مع صحابه، أو تقول له المدرسة كلمة تشجيع، أو حتى إحنا نفرح بنجاحه ونتكلم عنه قدّامنا، ألاقي الصغير فجأة قلب حاله.
يبقى يعيط ويصرخ بعصبية، ومش بس كده، ده ساعات يضرب أخوه، وفي مرات يعضّه لدرجة إن الدم ينزل، وده بيخليني أترعب عليهم هما الاتنين.
حاولنا نهدّيه، ونفهمه، ونزعق له أحيانًا من خوفنا، لكن المشكلة بتتكرر، وكل مرة بتزيد.
أنا محتارة ومتوترة، وقلبي بيتقطع على الكبير اللي بيتأذى، وعلى الصغير اللي واضح إنه موجوع ومش عارف يعبّر عن اللي جواه.
مش عارفة أتعامل إزاي، ولا ده طبيعي في سنه ولا محتاج تدخل نفسي؟
محتاجة رأي تربوي نفسي يطمني ويفهمني أتصرف إزاي صح قبل ما المشكلة تكبر؟
أختي الكريمة،
أشعر بصدق ألمكِ وحيرتكِ، وقلقكِ على طفليكِ مفهوم ومشروع، فما تصفينه موقف مُنهِك لقلب أي أمّ رحيمة، ولكن أطمئنكِ أولًا أن ما يحدث ليس شرًّا ولا فسادًا في شخصية طفلكِ الصغير، بل رسالة نفسية تحتاج فهمًا هادئًا وحسن تعامل.
أولًا: ما يحدث ليس غيرة عادية فقط..
في علم النفس التربوي، هذه السلوكيات تُصنَّف ضمن غيرة الأشقاء (Sibling Rivalry)، لكنها حين تتخذ شكل الضرب والعضّ الشديد، فإنها تعبّر عن ضعف في تنظيم المشاعر (Emotional Regulation)، وعجز الطفل عن التعبير اللفظي عن احتياجه العاطفي، فيلجأ إلى الجسد بدل اللسان.
ثانيًا: العنف هنا لغة ألم لا سوء تربية..
الطفل في هذا العمر لا يمتلك بعد نضج مهارات التحكم في الاندفاع، فيشعر أن أخاه "يسرق" الحب والاهتمام، فيدخل في حالة تهديد عاطفي، فيدافع عن نفسه بسلوك عدواني. وهنا من المهم التفريق بين النية السلوكية والفعل السلوكي؛ فالقصد ليس الأذى، بل طلب الأمان.
ثالثًا: التعامل الخاطئ يزيد النار اشتعالًا..
الصراخ، أو المقارنة، أو معاقبة الصغير أمام أخيه، تُعمّق لديه شعور الإدراك بالرفض، وتزيد من حدة الغيرة والعدوان، وتُضعف الأمان، فيتحول السلوك المؤقت إلى نمط متكرر.
رابعًا: كيف نُعيد التوازن بين الطفلين؟
العلاج هنا تربوي أسري أكثر منه عقابي، ويقوم على:
- تخصيص وقت يومي للصغير وحده لتعزيز الارتباط الآمن (Secure Attachment).
- مدح السلوكيات الإيجابية للصغير أمام نفسه لا مقارنة بالكبير.
- منع السلوك المؤذي فورًا بحزم هادئ دون ضرب أو إهانة.
- تعليم الطفل تسمية مشاعره بدل تفريغها جسديًّا، وهو ما يُعرف بـ التربية الانفعالية أو التدريب العاطفي (Emotional Coaching).
- عدم المبالغة في الثناء العلني على الكبير أمام الصغير، مع تعويض ذلك بالاحتواء الفردي.
خامسًا: حماية الكبير ضرورة تربوية..
العدل بين الأبناء لا يعني المساواة المطلقة، بل إعطاء كل طفل ما يحتاجه نفسيًّا. ومن حق الطفل الأكبر أن يشعر بالأمان الجسدي، لذلك يجب التدخل الفوري لمنع الإيذاء، دون شيطنة الصغير أو وصفه بالقسوة.
فلقد قال النبي ﷺ: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» والعدل هنا عدل في الحب والاحتواء والاهتمام، لا في المقارنة ولا في العقاب.
وقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وأطفالنا أولى الناس بالكلمة الطيبة، والنبرة الهادئة.
سادسًا: متى نلجأ للمختص؟
إذا استمر السلوك العنيف بنفس الحدّة، أو صاحبه إيذاء شديد ومتكرر، أو فشل التدخل الأسري، فهنا يُفضّل استشارة مختص نفسي للأطفال لتقييم أعمق لـ السلوك العدواني (Aggressive Behavior) والدافعية الانفعالية.
همسة أخيرة:
غاليتي، طفلكِ الصغير لا يحتاج زجرًا، بل أمانًا، ولا يحتاج مقارنة، بل احتواء، وما تفعلينه اليوم من وعي وحب سيُثمر غدًا سكينة في بيتهما وقلبيهما بإذن الله.
ربط الله على قلبكِ، وبارك لكِ في أبنائكِ، وجعلهم قرة عين لكِ في الدنيا والآخرة.
روابط ذات صلة:
كيف أتعامل مع غيرة طفلي من المولود الجديد؟!
بين سرعة الغضب والغيرة والعناد.. كيف أتعامل مع طفلي؟!
هل غيرة الأطفال من المولود الجديد طبيعية؟!