فوائد البنوك بين رأي المجامع الفقهية واجتهادات آحاد العلماء

Consultation Image

الإستشارة 28/03/2026

نسمع آراء مختلفة الى درجة التعارض الشديد في حكم فوائد البنوك، فهل هناك قول فصل في هذه المسألة، وهل يبيح الخلاف الموجود بين الجهات المختلفة للإنسان أن يضع أمواله في البنك إن كانت هناك ضرورة أو حاجة شديدة، أو حتى بلا حاجة، أرجو التفصيل

الإجابة 28/03/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

مسألة فوائد البنوك هي واحدة من أكثر القضايا المعاصرة جدلاً، والتعارض الذي تلمسه يعود في الأصل إلى تكييف "البنك" ككيان قانوني واقتصادي، هل هو مقرض ومقترض أم هو وكيل ومستثمر؟ سأفصل لك الآراء المعاصرة ومواقف المجامع الفقهية فيما يلي.

 

وإذا نظرنا إلى التكييف القانوني الذي صدر ممن أنشأ البنوك من القانونيين أو الاقتصاديين فهم متفقون على أنه قرض، ولم يقل أحد من رجال القانون أن العلاقة بين البنك وبين المودع أو المقترض شيئًا آخر غير القرض، ومن ثم اجتمعت كلمة المجامع الفقهية الدولية والمحلية ودور الإفتاء في العالم الإسلامي على أنه ربا النسيئة المحرم، وظلت هذه هي الفتوى المعتمدة منذ 1965م إلى الي 1985م.

 

ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا الدكتور محمد سيد طنطاوي – رحمه الله – في بداية ولايته لدار الإفتاء ثم مشيخة الأزهر، وتبعه على هذا الرأي كل من ولي الفتوى في دار الإفتاء أو المشيخة، وما نُفتي به ونطمئن إليه هو القول بالحرمة.

 

وكما ذكر مجمع البحوث في الأزهر الذي أفتي بالحرمة سنة 1965 أنه لا يتصور الضرورة في حالة المقرض، فيمكنه أن يضع المال في بنك إسلامي، أو في حساب جار دون فوائد، وإنما تتصور الضرورة في حالة المقترض والضرورة تقدر بقدرها، والحاجة تنزل منزلة الضرورة بضوابطها.

 

وإليك التفصيل في هذه المسألة

 

الاتجاه العام: التحريم المطلق (رأي المجامع الفقهية الكبرى) هذا هو رأي جمهور العلماء المعاصرين، ويمثله مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر (في فترات سابقة)، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ودور الإفتاء في السعودية والأردن ودار الإفتاء في مصر حتى ولاية الدكتور محمد سيد طنطاوي وكان يفتي بالحرمة لمدة ستة أشهر من ولايته، وغيرها.

 

يرى هذا الاتجاه أن الفوائد البنكية المحددة سلفًا على الودائع أو القروض هي "ربا النسيئة" المحرم شرعًا. ومنطلقهم أن العلاقة بين العميل والبنك هي علاقة "قرض"، والقاعدة الفقهية تقول: "كل قرض جر نفعًا فهو ربا". ولا فرق عندهم بين حاجة البنك للمال أو حاجة الشخص، ولا بين الفائدة القليلة أو الكثيرة؛ فالمعاملة في جوهرها مبادلة مال بمال مع زيادة مشروطة، وهذا هو عين الربا الذي نزل فيه القرآن.

 

الاتجاه الثاني: الجواز والحل (رأي بعض المؤسسات الرسمية وبعض الفقهاء) هذا الرأي تتبناه حاليًا دار الإفتاء المصرية بصفة رسمية، وعدد من الفقهاء المعاصرين وينطلق هذا الاتجاه من تكييف قانوني مختلف، فهم لا يعتبرون العلاقة بين العميل والبنك "قرضًا"، بل هي "عقد تمويل" أو "وكالة في الاستثمار". يقول أصحاب هذا الرأي إن البنوك مؤسسات استثمارية وليست أشخاصًا يقرضون للمحتاجين، وأن تحديد الربح سلفًا هو من باب تنظيم العلاقة وضمان حق العميل في الاستثمار، وليس ربًا محرمًا. ويرون أن الربا المحرم هو "ربا الاستغلال" الذي يكون بين الأفراد ويؤدي لضياع الأموال، أما البنك فهو يستثمر المال في مشاريع قومية وتنموية، والفوائد هي ثمرة هذا الاستثمار.

 

وهذا التكييف الفقهي يخالف التكييف القانوني الذي يجعل العلاقة علاقة قرض وليست وكالة ولا مضاربة ولا غيرها، ورأي أهل القانون وهم أهل الذكر هنا مقدم عن غيره.

 

وبالتالي نرى هنا مع جمهور الفقهاء وآخرهم الشيخ جاد الحق علي جاد الحق – رحمه الله – ومعه الشيخ الغزالي والشيخ القرضاوي وعشرات من علماء المسلمين المعاصرين أن هذه المسألة ليست مسألة خلاف يسوغ للمسلم أن يأخذ يالأيسر أو الأحوط ولكن الحق مع المجامع الفقهية وجمهور الفقهاء المعاصرين. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

حكم الاستثمار في البنوك لأنها من القضايا المستحدثة

تعامل البنوك بالربا في القرض والاقتراض بفائدة؟

الرابط المختصر :