الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : قضايا معاصرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 4566
14/04/2026
توجد امرأة مرت بظروف قاسية؛ طلاق، فقر شديد، مسؤولية طفلتين، ووفاة الأب. حاولت العمل في مجالات متعددة، حتى اضطرت للعمل في مجال لا ترضاه (كعرض الأزياء) بسبب شدة حاجتها للمال، وكانت تتمنى الالتزام والحجاب. لم تكن ممن يطلبون الصدقات أو المساعدة من الناس، بل كانت عفيفة النفس، ترفض السؤال رغم ضيقها الشديد. ومع ازدياد الضغوط النفسية والاجتماعية، واستغلال بعض ضعاف النفوس لها، وصلت إلى حالة من اليأس، فألقت بنفسها من مكان مرتفع. فهل الامتناع عن طلب المساعدة مع شدة الحاجة يُعد تكبرًا أم عفة؟ وهل الانتحار بسبب الفقر والضغوط النفسية يُعد مبررًا؟ وأيهما أولى: سؤال الناس عند الحاجة أم الصبر حتى لو أدى ذلك إلى الهلاك؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فتعد هذه القصة مأساة إنسانية تدمي القلوب، وهي تعكس صراعًا مريرًا بين عزة النفس وضغوط الواقع الساحقة.
اختصارًا: الشريعة الإسلامية توازن بين كرامة الفرد وحق النفس في الحياة؛ فإذا وصلت الحاجة إلى حد "الاضطرار" الذي يهدد الهلاك أو ضياع العرض، فإن السؤال يصبح جائزًا، بل قد يكون واجبًا لإنقاذ النفس. أما الانتحار، فلا يعد مبررًا شرعًا تحت أي ضغط؛ لأن اليأس من روح الله منهي عنه، والحياة أمانة لا يملك الإنسان حق إنهائها، لكن يُترك أمر صاحبها لله عز وجل يوم القيامة، مع مراعاة الظروف النفسية التي قد تغيب العقل، أما ما قامت به من صون نفسها عن السؤال فلا حرج فيه، ولكن السؤال على كل حال أولى من الكسب الحرام، وطبعا واجب عوضًا عن قتل النفس.
وبما أن موجة الانتحار منتشرة هذه الأيام، وكثير من الناس يتساءلون عن حكم المنتحر ومصيره، فأما مصيره فالمنتحر وغيره من الذين قضوا نحبهم باتوا في يد الله، والله أعلم بهم وبما كان في عقولهم ونفوسهم حين أقدموا على ما أقدموا عليه، ولذلك فحسابهم موكول إلى الله، والانتحار كبيرة من كبائر الذنوب وجريمة في حق النفس التي هي ملك لله، ولكنه لا يُخرج صاحبه من الملة (أي لا يكفر) عند جمهور أهل السنة والجماعة. تجب الصلاة عليه وتغسيله ويدفن في مقابر المسلمين، وأمره مفوض إلى الله تعالى إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له.
آراء العلماء في المنتحر
وتلك آراء علماء الإسلام من المذاهب المختلفة حول حكم المنتحر:
الإمام النووي: يرى أن المنتحر قد ارتكب معصية عظمى، لكنه ليس كافرًا، ويستدل بحديث الرجل الذي انتحر فدعا له النبي ﷺ بقوله: "اللهم وليديه فاغفر". ويرى أن النهي عن الصلاة عليه كان لزجر الناس، لكن الصلاة تصح عليه من آحاد الناس.
الإمام ابن قدامة: ذكر أن المنتحر يُغسل ويُصلى عليه، وهذا قول أكثر أهل العلم، إلا أن الإمام (الحاكم أو العالم المقتدى به) قد يترك الصلاة عليه زجرًا لغيره، أما بقية الناس فيصلون عليه.
الإمام السرخسي: يؤكد أن من قتل نفسه عمدًا فإنه يُغسل ويُصلى عليه عند الإمام أبي حنيفة ومحمد بن الحسن؛ لأنه مسلم عاصٍ وليس بمرتد، والمسلم تجب له الصلاة بالوفاة.
الإمام القرطبي: يوضح أن المنتحر في مشيئة الله، إن شاء عفا عنه بفضل إيمانه، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم مآله إلى الجنة، محذرًا من الأحاديث التي توهم الخلود الأبدي في النار، حيث فسرها العلماء بالخلود المستحق أو المدة الطويلة.
شيخ الإسلام ابن تيمية: يرى أن مذهب أهل السنة أن المنتحر لا يكفر، ولكن على "أهل الدين والفضل" ترك الصلاة عليه إظهارًا للنكير وزجرًا عن مثله، بينما يصلي عليه بقية المسلمين.
القواعد الفقهية الحاكمة:
قبل الدخول في قواعد الشريعة ذات الصلة بهذا الأمر، فإنني أؤكد أن الأمر بالنسبة للمرأة يختلف كثيرًا عن الرجل، فالمرأة مبنى أمرها على الستر قدر الاستطاعة وقدوتهن في ذلك بنات شعيب عليه السلام، {قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير} فسؤال الناس من أهل الصلاح والجمعيات الخيرية وأبواب الصدقة والبر أهون من الانجرار إلى ضياع حيائها وعفتها، ويمكنها أيضًا البحث عن أي عمل شريف تستطيعه. أسأل الله أن يغفر لنا ولها.
وهذه بعض القواعد التي توضح جوانب المسألة:
الضرورات تبيح المحظورات: حفظ النفس مقدم على كراهة سؤال الناس، فإذا خشي المرء على حياته جاز له طلب المعونة.
حفظ النفس إحدى الضرورات الخمس: وهي (الدين، النفس، العقل، النسل، المال)، وحمايتها مقدمة على كل اعتبار.
المشقة تجلب التيسير: الشريعة لا تكلف نفسًا إلا وسعها، وعندما تضيق السبل تفتح أبواب الرخص.
آراء العلماء المعاصرين حول سؤال الناس:
يرى العلماء المعاصرون أن تعقد الحياة الحديثة يفرض على المجتمع واجب "التكافل"، وبالطبع يثنون على تعففها ويرون أن المجتمع (أفرادًا ومؤسسات) آثم لعدم الوصول إليها، فالعفة في زمن الغلاء جهاد.
ويرى الشيخ ابن باز وابن عثيمين وغيرهم أن سؤال الناس للحاجة الشديدة لا يقدح في العفة إذا انعدمت البدائل، بل هو من باب الأخذ بالأسباب لحفظ النفس والذرية.
ويؤكدون أن اليأس الذي يؤدي للانتحار هو مرض يستوجب العلاج، وإذا وصل الإنسان لحالة من "فقدان الإدراك" بسبب الضغط النفسي الشديد (الاكتئاب السوداوي)، فقد يُرجى له عفو الله لأنه لم يكن في كامل قواه العقلية عند اتخاذ القرار.
آراء العلماء القدامى:
الإمام الغزالي: فرّق في "إحياء علوم الدين" بين السؤال المذموم والسؤال المباح، وجعل سؤال من يعلم يقينًا أنه يملك ويحب البذل غير معيب، بل هو استعانة بإخوانه.
ابن قدامة المقدسي: ذكر في "المغني" أن المسألة (طلب المال) تحرم على الغني، ولكنها تباح لمن أصابته فاقة أو حاجة تخرجه عن حد الكفاية، بل قد تجب إذا خاف على نفسه الهلاك.
الإمام الشافعي: كان يرى أن الصبر على الجوع أفضل من ذل السؤال في الأحوال العادية، لكن الأئمة اتفقوا أن هذا الصبر ينتهي عندما يصل الأمر إلى "حد الاضطرار"؛ لأن قتل النفس (بالامتناع عن الأكل أو الدواء) محرم كقتلها بالسلاح. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
ما التصورات الخاطئة التي تقف خلف الانتحار؟