قوة قاهرة منعته من الوفاء بالعقد.. فهل يحل لي إلزامه بالشرط الجزائي؟

Consultation Image

الإستشارة 18/04/2026

تعاقدت مع مقاول لبناء بيت العمر واتفقنا على تسليم المفتاح خلال سنة، ووضعنا شرطاً جزائياً يدفع بموجبه المقاول مبلغاً عن كل شهر تأخير. المقاول تأخر 6 أشهر بسبب نقص مواد البناء في السوق وارتفاع أسعارها المفاجئ. هل يجوز لي قانوناً وشرعاً أخذ مبلغ الشرط الجزائي كاملاً؟ أم أن الظروف القهرية تسقط هذا الحق؟"

الإجابة 18/04/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً بك، وأسأل الله العلي القدير أن يجعل بيتك مباركًا وعامرًا بالخير.

 

وهذه القضية من القضايا المعاصرة التي تمس جوهر العقود (عقد الاستصناع) وتوازن الحقوق بين المالك والمقاول.

 

اختصارًا: الأصل في الشرط الجزائي جواز وضعه في العقود ووجوب الالتزام به من الطرفين فالمؤمنون عند شروطهم، إلا أنه لا يجوز استحقاقه كاملاً إذا كان التأخير ناتجًا عن ظروف طارئة أو قوة قاهرة، وحتى لو لم يكن المقاول ماهرًا بما يكفي لينص على حال القوة القاهرة في العقد، فلا ينبغي استغلال غفلته والإضرار به.

 

وفي هذه الحالة حيث نقصت المواد وارتفع سعرها ارتفاعًا فاحشًا فيُعد هذا "ظرفًا طارئًا" يوجب تعديل الشرط الجزائي بالخَصم منه أو إلغائه عن فترة التعطل، وذلك لرفع الضرر عن الطرفين بالعدل، فلا يُظلم المالك بتأخير لا نهاية له، ولا يُظلم المقاول بتحميله تبعات أزمات عالمية أو سوقية لا يد له فيها.

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

تستند هذه المسألة إلى عدة قواعد كلية كبرى في الشريعة الإسلامية:

 

1. "المسلمون على شروطهم": وهو الأصل في وجوب الالتزام بالشرط الجزائي.

 

2. "لا ضرر ولا ضرار": وهي القاعدة التي تمنعك من إلحاق ضرر فادح بالمقاول بسبب ظروف قاهرة، وتمنعه هو من الإضرار بك بالمماطلة.

 

3. "الضرر يُزال": ويقتضي التدخل لرفع الضرر الذي لحق بالمقاول نتيجة تقلبات السوق العنيفة.

 

4. "كل ما كان من شرط فيه ضرر بغير نفع لم يجز" (من قواعد الإمام ابن تيمية): في حال تحول الشرط إلى أداة للظلم عند تغير الظروف.

 

تفصيل آراء العلماء والمجامع الفقهية:

 

* مجمع الفقه الإسلامي الدولي (جدة): أقر المجمع في قراره رقم 109 (3/12) أن الشرط الجزائي جائز في عقود المقاولات، ولكن "إذا أثبت المدين أن الإخلال بالالتزام كان بسبب خارج عن إرادته (قوة قاهرة أو حادث مفاجئ) فلا يجب عليه الشرط الجزائي". كما نص على أنه يجوز للمحكمة أو المُحَكِّم تعديل مبلغ التعويض إذا كان مبالغًا فيه أو كان الظرف طارئًا.

 

* المجمع الفقهي الإسلامي (رابطة العالم الإسلامي): أكد على أن الشرط الجزائي يُعتبر تعويضًا عن ضرر فعلي، وإذا كانت هناك ظروف طارئة (مثل الغلاء الفاحش أو انقطاع المواد)، فإن هذه الظروف تعتبر "عوارض" تجعل الالتزام مرهقًا وليس مستحيلاً، وهنا يجب توزيع الخسارة بين الطرفين.

 

* أما دار الإفتاء المصرية والسعودية فتتفق الفتاوى الصادرة منهما على أن "الجوائح" (الأزمات العامة) تضعف من قوة الشرط الجزائي. ويرى كبار العلماء (كالشيخ ابن عثيمين سابقًا وكبار العلماء في السعودية) أن الحاكم أو القاضي له سلطة التدخل لإسقاط الشرط أو تخفيفه إذا تبين أن المقاول "معذور" شرعًا.

 

* رأي الدكتور يوسف القرضاوي (رحمه الله): كان يميل دائمًا إلى "فقه التيسير" وتطبيق نظرية "وضع الجوائح" (وهي قاعدة نبوية في الأصل تخص ثمار النخيل وتُقاس عليها العقود). ويرى أن الارتفاع الفاحش في الأسعار الذي لم يكن متوقعًا عند العقد يخرج عن نطاق المخاطرة المعتادة، وبالتالي لا يجوز للمالك استغلال الشرط الجزائي للتربح من مصيبة المقاول.

 

الحكم الأنسب للطرفين (قانونيًّا وشرعيًّا):

 

من الناحية القانونية (في معظم القوانين العربية المستمدة من القانون المدني) ومن الناحية الشرعية، الحل الأمثل يتلخص في "تفتيت الضرر":

 

1. تحديد مدة القوة القاهرة: يُعفى المقاول من الشرط الجزائي فقط عن الأشهر التي ثبت فيها انقطاع المواد أو حدوث القفزة السعرية التي شلت حركته.

 

2. التفرقة بين التقصير والقدر: إذا كان المقاول قد تأخر في "طلب المواد" قبل الأزمة، فهو مقصر ويستحق العقوبة. أما إذا كان النقص عامًّا وشاملاً، فهو معذور.

 

3. التسوية الودية: الحكم الأعدل هو أن يتم خفض الشرط الجزائي بنسبة مئوية (مثلاً 50%) عن فترة التأخير؛ تقديرًا لأنك تضررت من التأخير في السكن، وهو تضرر من خسارة مادية في شراء المواد بضعف ثمنها.

 

وأخيرًا: لا ينبغي لك أخذ المبلغ كاملاً مع علمك بصدق عذره وقوة الظرف، بل يجب التسامح ومشاركة الضرر بالعدل والمساواة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

الشرط الجزائي في العقود، تعريفه، أنواعه وحكمه الفقهي

إجارة النفس لعمل محرم.. هل الشرط الجزائي عذر كاف؟

الرابط المختصر :