كيف أتعامل مع زميل يثير الشبهات حول الصلاة والدين؟

Consultation Image

الإستشارة 18/10/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أكتب إليكم وأنا في غاية القلق والحيرة، فقد ابتلاني الله بزميل في الجامعة لا يفتأ يثير الشبهات ويشكك في ثوابت الدين، وخصوصًا في مسألة الصلاة. فهو يسخر كثيرًا ويقول: "لماذا نصلي خمس صلوات؟ وهل يحتاج الله أصلًا إلى عبادتنا؟" بل إنه يستهزئ بكل من يحاول أن يجيبه أو يرد عليه، ويصف الدين بأنه مجرد عادات ورثناها عن الآباء. والمصيبة أن بعض الطلاب بدأوا يتأثرون بكلامه، ويخالط قلوبهم الشك، بل ربما صاروا يتهاونون في صلاتهم بعد هذه الكلمات المشبوهة.

أنا في حيرة: هل من واجبي أن أواجهه وأرد على شبهاته، مع أنني لست قويًّا في الحجة وأخشى أن يضحك علي كما يفعل مع غيري؟ أم أكتفي بالسكوت والدعاء له ولنفسي؟ دلوني جزاكم الله خيرًا كيف أتعامل مع مثل هذه الفتن الفكرية في زمن كثر فيه التشكيك وتجرأ فيه الناس على ثوابت الإسلام؟

الإجابة 18/10/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

 

أهلاً بك أيها الطالب الكريم، وأسأل الله أن يشرح صدرك للحق، وأن يثبّت قلبك على الإيمان، وأن يجعلك من حماة العقيدة وحراس اليقين. ما أجمل غيرتك على دينك وخوفك على زملائك من الانخداع بمثل هذه الشبهات! فغيرتك هذه نعمة من نعم الله، ودليل على حياة قلبك، وقد قال النبي ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (رواه مسلم).

 

فهم طبيعة الشبهات المثارة

 

قبل أن نتحدث عن الرد على مثل هذا الزميل، يجب أن نفهم طبيعة هذه الشبهات:

 

1. ليست جديدة: مثل هذه الأسئلة أثيرت منذ صدر الإسلام، بل في عهد النبي ﷺ. قال تعالى عن الكافرين: ﴿وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 7]. فالتشكيك والاستهزاء سنة الكافرين قديمًا وحديثًا.

 

2. دوافعها مختلفة: بعضهم يثيرها بدافع البحث عن الحقيقة، وهؤلاء يجب أن يُجابوا بالحكمة والموعظة الحسنة. وبعضهم يثيرها بدافع السخرية والجدل، وهؤلاء أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68].

 

3. أسلوبها الاستفزاز: مثل هذا الزميل يستخدم أسلوب السخرية والضحك على من يجيبه، لا رغبة في الحقيقة، وإنما رغبة في التشويش وزعزعة اليقين.

 

مكانة الصلاة في الإسلام

 

السؤال: "لماذا نصلي خمس صلوات؟" يقتضي بيان عظمة الصلاة ومكانتها:

 

1. فرضت في السماء: لم تُفرض الصلاة عن طريق الوحي على الأرض، بل فُرضت ليلة المعراج فوق السماوات، في حضرة الله عز وجل. وهذا وحده يكفي ليدل على عظمتها.

 

2. هي عمود الدين: قال النبي ﷺ: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة» (رواه الترمذي). فكما أن الخيمة لا تقوم بلا عمود، لا يقوم الدين بلا صلاة.

 

3. تطهير للنفس: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. فهي ليست عبادة شكلية، بل وسيلة لتزكية النفس وتهذيب السلوك.

 

4. صلة بين العبد وربه: قال النبي ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» (رواه مسلم). فمن ذا الذي لا يفتخر بالقرب من خالقه؟

 

أما عدد الصلوات (خمس)، فهو توقيفي تعبدي؛ أمر الله به لحكمة يعلمها، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]. فالمؤمن الحق يسلِّم لله ولا يعترض.

 

هل الله يحتاج إلى عبادتنا؟

 

السؤال الثاني فيه مغالطة كبيرة. الله سبحانه غني عن العالمين. قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: 8]. وقال في الحديث القدسي: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا» (رواه مسلم).

 

إذن فالله لا يحتاج إلى عبادتنا، بل نحن المحتاجون إليها. نحن نصلي لا لأن الله ينقصه شيء، بل لأننا نحن الذين ننقص. الصلاة غذاء للروح، ودواء للقلب، ونور للوجه، وسكينة للنفس.

 

كيف تتعامل مع الزميل؟

 

1. التفريق بين الجد والهزل: إن كان زميلك يسأل استهزاءً، فلا تجادلْه، بل أعرض عنه امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء: 140].

 

2. إن كان يسأل طلبًا للحق: فادعه إلى مجلس علم، أو أرشده إلى محاضرات لعلماء موثوقين، أو دلّه على آيات وأحاديث تبيّن له فضل الصلاة.

 

3. تقوية نفسك بالعلم: لا تخُض في نقاشات كبيرة قبل أن تتعلم، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].

 

4. الدعاء له بالهداية: فقل: "اللهم اهد قلبه، وانزع من صدره الشك، واملأه باليقين". فلعلّ دعوة صادقة في ظهر الغيب تكون سببًا في صلاحه.

 

شواهد من التاريخ

 

* المنافقون في عهد النبي: كانوا يسخرون من الدين، حتى قالوا: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء"، فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: 65].

 

* الصحابة رضوان الله عليهم: لم يدخلوا في جدال مع المستهزئين، بل كانوا يردون بالعلم والحكمة، أو يتركون الجدال إذا لم يكن له ثمرة.

 

نصائح ختامية

 

1. الزم مجالس الذكر والعلم، فهي حصن من الشبهات.

 

2. لا تدخل في نقاشات لا تملك لها عدة علمية، بل اجعل ردك قصيرًا وحاسمًا.

 

3. اجتهد في تقوية يقينك بالعبادة والقرآن، فالقلب الممتلئ باليقين لا تهزه الشبهات.

 

4. ذكّر زملاءك أن الدين ليس عادة، بل عقيدة قامت على البراهين، وأن الصلاة ليست تكليفًا ثقيلًا، بل هي راحة للنفس، كما قال النبي ﷺ: «أرحنا بها يا بلال» (رواه أبو داود).

 

وختاما أسأل الله أن يثبت قلبك على الإيمان، وأن يجعلك من الدعاة إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يحفظك من كل شبهة وضلالة، وأن يجعل غيرتك على الدين سببًا في رفعة درجتك يوم القيامة.

 

 

روابط ذات صلة:

صديقي مهتم بالإسلام.. ولديه شبهات

كيف أثبت على الحق في ظل هيمنة الثقافة الغربية والشبهات المنتشرة؟

شبهات في الإيمان

عظماء صغار في جهاد الشبهات.. الاستعداد قبل الاقتحام

الرابط المختصر :