الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
397 - رقم الاستشارة : 2908
07/10/2025
السلام عليكم يا دكتورة أميمة،
عندي مشكلة كبيرة وعايزة رأيك كأخصائية تربوية ونفسية. أنا العمة الصغيرة، وأخويا دايمًا متخانق مع ابنه الكبير. الولد في آخر سنة في الكلية وبجد بيحاول يذاكر ويشتغل وقت الفراغ عشان يساعد البيت، لكن لو اتأخر شوية عن البيت — سواء من الشغل أو من مراجعة في المكتب أو حتى مع صحابه — أبوه يزعل جدًا ويبدأ يصرخ ويهدده ومرات كتير يطرده من البيت ويقول له اطلع نام برّه.
المشكلة بقت إنها مش بس قطيعة كلام، الولد بدأ يبعد عن البيت، ولما يرجع بيبقى مكسور ومتوتر، ومذاكرته بدأت تتأثر، ومش بيحب يكلمني عن اللي حصل لأنه خايف يزعل أبوه أكتر. أنا حاولت أتكلم مع أخويا بهدوء، لكن هو عنيد وبيقول له “أنا الراجل والمسؤول” وبيرفض أي تدخل.
أنا خايفة من تصاعد الخلاف وتأثر مستقبل الولد الدراسي والوظيفي، ومش عارفة إزاى أساعد بدون ما أأجج الخناقات. ممكن تنصحيني ازاي أتصرف كعمة؟ أنصح الولد يسيب البيت؟ أواجه أخويا؟ أتدخل مادياً؟ أو إزاي نحل المشكلة بهدوء علشان الولد يكمل دراسته ويلاقي أمان في البيت؟
مرحبًا بكِ أيتها العمة الفاضلة، سرّني إحساسك العالي بالمسؤولية وحرصك على رأب الصدع داخل أسرتك، فدائمًا ما تكون القلوب الحنونة هي البذور الأولى للإصلاح.
وأشكر لكِ هذا الوعي والاهتمام، فالموقف الذي ذكرتِه يعكس خللًا عميقًا في التواصل الأسري (Family Communication) بين الأب وابنه، وهو خلل متكرر في كثير من الأسر حين يختلط الحزم بالقسوة، أو يُفهم الاحترام على أنه خضوع مطلق لا نقاش فيه.
التموضع العاطفي
من الناحية النفسية والتربوية، فإن العلاقة بين الأب والابن في هذه المرحلة العمرية بالذات تمرّ بما نسميه مرحلة إعادة التموضع العاطفي (Emotional Repositioning)، أي أن الابن الشاب يبدأ في بناء هويته المستقلة Identity Formation، فيسعى لإثبات ذاته أمام الأب، بينما يشعر الأب – دون وعي – بأن سلطته التربوية مهددة.
وهذا التوتر النفسي (Psychological Tension) يولّد دائرة صدام متكررة إن لم تُكسر بالحوار الواعي والرحمة المتبادلة.
تحليل الموقف
الابن في آخر سنة جامعية، أي في مرحلة حساسة من النضج الاجتماعي والوظيفي، ويحاول أن يجمع بين تحقيق الذات (Self-Actualization) ومساندة والده ماديًّا أو عمليًّا.
لكن الأب – كما ذكرتِ – لا يرى إلا سلوك "العودة المتأخرة"، متجاهلًا النية الإيجابية (Positive Intention) خلف الفعل، وهو ما يسبب للابن إحباطًا تربويًّا (Educational Frustration) يدفعه إما للانسحاب والصمت أو للتمرد الصامت.
وفي علم النفس التربوي، يُعد الطرد المتكرر من المنزل من أساليب العقاب الانفعالي (Emotional Punishment) التي تُهدد الأمان النفسي (Psychological Safety) للابن، وتفقده الإحساس بالانتماء Sense of Belonging، فيتحوّل البيت من "مأمن" إلى "مصدر قلق".
البعد الديني والتربوي
الإسلام علّمنا التوازن في العلاقات داخل الأسرة وطيب المعاملة المتبادلة بين الآباء والأبناء برحمة وتراحم. كما قال النبي ﷺ: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا"؛ فالتربية بالرحمة لا تنقص من الهيبة، بل تزيدها عمقًا وثباتًا.
دورك له أهميته الملموسة
حيث إن دورك في هذه المرحلة بالغ الأهمية، لكن يحتاج إلى حكمة وذكاء انفعالي Emotional Intelligence، لذا أنصحكِ بما يلي:
1- كوني جسرًا لا حاجزًا: تواصلي مع الابن بطريقة داعمة غير منحازة. أظهري له تفهّمك لضغوط والده، وطمئنيه أنكِ تثقين بجهده وجدّيته. هذه الطريقة تُعيد له الإحساس بالتقدير Self-Esteem دون إثارة تمرد.
2- حاوري أخاك بلغة الأب لا بلغة العتاب: اختاري وقتًا مناسبًا، وتحدّثي معه بلطف عن قلقك على مستقبل ابنه، لا عن "أخطائه كأب".
قولي له مثلًا: "أنا شايفة تعبك وحرصك، لكن الولد محتاج يسمع منك كلمة طيبة تريّح قلبه"
هذه العبارات تفتح منافذ الوعي دون إثارة دفاعية Defensive Reaction كقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، ذلك فإن من البيان لسحرًا.
3- ابحثي عن نشاط مشترك بين الأب والابن: كعمل بسيط أو مشروع صغير، أو حتى نزهة قصيرة برعايتك، تجمع بينهما في بيئة غير مشحونة، فالعلاقات تُرمّم بالفعل لا بالكلام فقط.
4- ادعمي الابن نفسيًّا وأكاديميًّا: ذكّريه أن ما يمر به طبيعي في رحلة النضوج، وأن عليه الصبر والالتزام وعدم اتخاذ قرارات انفعالية كترك البيت. فالبُعد لن يحل الأزمة، بل سيعمّقها.
فالمطلوب يا أختى الغالية هو إعادة التوازن إلى ما نسميه The Family Emotional Climate، أي المناخ الانفعالي داخل البيت. حين يعود الدفء العاطفي (Emotional Warmth)، يهدأ الصدام ويستعيد الابن ثقته بنفسه وبأبيه معًا.
* همسة أخيرة للعمة الصغيرة:
كوني أنتِ النجم الهادئ في هذه السماء الملبّدة، تُضيئين لا تُحرقين، وتُصلحين بالحب قبل النصح، وبالصبر قبل الغضب.
وبإذن الله، سيُثمر هذا الرفق صلاحًا ودفئًا في بيت أخيك، وتوفيقًا لابنه في دراسته وحياته.
روابط ذات صلة:
كيف أصلح ما أفسدته أرملة أخي تربويًّا ونفسيًّا؟!
لا يضربني ولا يحتضنني.. أشعر أن أبي يكرهني!