الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : المراهقون
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
293 - رقم الاستشارة : 3295
13/11/2025
السلام عليكم دكتورتنا الفاضلة،
أنا أمٌّ مطلقة منذ عشر سنوات، وابني كان يعيش معي حتى بلغ السنّ القانوني للحضانة، ثم اضطررتُ لتسليمه لوالده بناءً على الحكم القضائي، رغم أنني كنت أرجوه أن يتركه يكمل تعليمه معي لأنه اعتاد على أسلوبي في التربية والاهتمام.
ابني الآن يبلغ من العمر ستة عشر عامًا، وكان دائم الاتصال بي في البداية، لكني لاحظت في الآونة الأخيرة أنه أصبح حزينًا ومنطويًا. وعندما سألته بهدوء، أخبرني أن زوجة والده تُهينه أمام والده، وتُقلل من شأنه وتستخدم معه ألفاظًا قاسية، وأن والده لا يتدخل أبدًا، بل أحيانًا يوافقها على كلامها أو يتجاهل الأمر تمامًا.
يقول لي ابني إنه لم يعُد يحتمل الحياة في ذلك البيت، ويشعر أنه غريب بينهم، وكل مرة يتصل بي يبكي ويقول: "نفسي أرجع أعيش معاكي يا ماما"، وأنا قلبي يتقطع عليه.
أنا لا أريد أن أُخالف القانون، لكني أيضًا لا أريد أن يضيع ابني نفسيًّا، فهو في مرحلة حساسة جدًّا ومحتاج دعم نفسي وتوازن عاطفي.
فماذا أفعل؟ كيف أحميه دون أن أزيد الأمور تعقيدًا؟ وهل أطلب حضانته من جديد؟
أرجوكِ دليني كيف أنقذ ابني قبل أن يُصاب بانهيار نفسي أو عدوانية من كثرة القهر الذي يعيشه.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
أيتها الأم الصابرة، أسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يُعينك على هذه المحنة التي تمسّ عمق مشاعر الأمومة.
إن حديثك يفيض صدقًا وحنانًا، ويدل على أمٍّ مربيةٍ واعيةٍ أدّت رسالتها في تربية ابنها بكل حبٍّ وضمير.
خطر كبير
أول ما ينبغي أن تعلميه —يا عزيزتي— أن ابنك الآن في مرحلة المراهقة المتوسطة، وهي مرحلة حساسة من حيث الهوية النفسية والاستقلال العاطفي. وفيها يحتاج المراهق إلى من يحتضنه لا من يُهينه، وإلى من يسمعه لا من يُقصيه. ولذلك، فإن ما يعيشه ابنك من إهانة وتجاهل في بيت أبيه يُعدّ عامل خطر كبير في تكوينه النفسي والاجتماعي.
اضطراب في الإحساس بالأمان النفسي
وبداية، إليك التحليل النفسي والتربوي للموقف:
ما يظهر من سلوك الابن — الحزن، الانطواء، الرغبة في العودة إليك — هو تعبير عن اضطراب في الإحساس بالأمان النفسي (Sense of Psychological Security)، نتيجة تعرضه لتقليل مستمر من شأنه، مع غياب الحماية الأبوية من والده.
هذه البيئة تُنذر بتكوّن ما يسمى في علم النفس التربوي بـ "الاستجابة الانسحابية" (Withdrawal Response)، وهي حين ينسحب المراهق من التفاعل مع بيئته بسبب القهر أو القسوة أو الإهمال العاطفي.
وهنا يأتي دورك كأم حاضنة بالقلب، وإن لم تكوني حاضنة قانونًا، لتُشكّلي له "البيئة التعويضية" (Compensatory Environment) التي تُعيد إليه ثقته بنفسه وتُثبّت دعائم أمانه الداخلي.
إجراءات تربوية ونفسية
وسوف أقترح عليك بعض الإجراءات التربوية والنفسية تساعدكما:
1- استمرّي في التواصل الهادئ المنتظم معه، واعملي على تقوية العلاقة الوجدانية عبر الحديث المطمئن لا البكاء المشترك، حتى لا يشعر أن كليكما ضحية. كوني له السند والقدوة في الثبات.
2- أكّدي له أنه ليس مسؤولًا عن تصرفات الكبار، وأن احترامه لوالده واجب ديني، لكن من حقه أن يعبّر عن ألمه بطرق مهذبة ومضبوطة.
3- احرصي على لقائه دوريًّا خارج البيت ولو لساعات؛ فالتواجد الفعلي يُشعره بالانتماء ويُرمم داخله ما تهدّم.
4- اطلبي استشارة قانونية هادئة بشأن إمكانية استرداد الحضانة إذا أثبتِ بالدلائل أن البيئة الحالية تُلحق ضررًا نفسيًّا بالابن، فالشرع والقانون كلاهما ينصر مصلحة الطفل أولًا. قال ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار"، وهذه قاعدة عظيمة تُرفع بها كل معاناة.
5- لا تُهاجمي والده أو زوجته أمامه، فذلك يُحدث تمزقًا داخليًّا أشد قسوة، بل علّميه أن يُفرّق بين أذى الأشخاص وحق الله في البرّ.
6- تابعي معه سلوكياته ودراسته بهدوء، وراقبي أي مؤشرات اكتئاب أو عدوانية أو انسحاب، فإن ظهرت بوضوح فليُعرض على اختصاصي نفسي تربوي لمتابعة الحالة.
حبيبتي، أذكرك بقول الله تعالى: ﴿وَلا تَنسَوُا الفَضلَ بَينَكُم﴾، ذكّري نفسك دائمًا أن التعامل بالحكمة والفضل مع الأب هو طريق النجاة لكما ولابنك، فكل انفعال عاطفي زائد من جانبك قد يُستخدم ضدك أو يربك ابنك نفسيًّا.
وثقي أن الله تعالى لن يضيمك فيه أبدًا بعد بذلك من أجله، وسيأتى اليوم الذي لن يحتاج فيه لوالده وسيعود إليك ليكون السند والداعم لك ولوالده.
* همسة أخيرة:
ابنك اليوم يحتاج إلى "حضورك النفسي" قبل حضورك الجسدي، وإلى "قوتك الهادئة" لا دموعك، فكوني له الأم التي تُربي بالعقل والقلب معًا.
روابط ذات صلة: