الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : قضايا التعدد
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
484 - رقم الاستشارة : 3752
04/01/2026
أنا سيدة أبلغ من العمر 35 عامًا، أم لثلاثة أطفال، عشت مع زوجي 10 سنوات كانت تخللها الصعوبات المعتادة، لكنني كنت أظن أن بيننا كثيرًا من المودة والرحمة.
انقلبت حياتي رأسًا على عقب قبل عام تقريبًا، عندما شُخصت بمرض السرطان.
وبدلًا من أن يكون زوجي هو السند، وجدت نفسي أمام إنسان غريب لم أعرفه من قبل. بدأ ينسحب من حياتي وحياة أطفاله تدريجيًا، ثم هجر المنزل تمامًا وأنا في ذروة جلسات العلاج الكيماوي. الصدمة الكبرى لم تكن في رحيله فقط، بل في اكتشافي أنه بصدد إتمام زواجه من امرأة أخرى، مبررًا ذلك بأنني كنت عصبية وسيئة الخلق حتى قبل المرض، وأنه تحملني لسنوات ولم يعد لديه طاقة لمواجهة مرضي وتقلباتي المزاجية. وشعرت بأنه ينتظر موتي ليتخلص من عبئي، أو يستعجل ذلك بالطلاق.
دخلت في نوبة اكتئاب حادة، فقدت الرغبة في الطعام والنوم، وأقضي يومي في بكاء مرير. أشعر بانهيار تام، ولا أستطيع استيعاب فكرة أن يتركني شريك عمري وأنا في أمسِّ الحاجة إليه، بل ويستبدل غيري بي وأنا أصارع الموت والألم!
لقد وصل بي الأمر في لحظات ضعفي وانهياري أن أترجاه للبقاء، بل ووصل الأمر لتقبيل يده أمام أطفاله كي لا يتركنا، وهو يقابل ذلك ببرود شديد واستغلال لنقاط ضعفي، ما جعلني أشعر باحتقار شديد لنفسي بعد كل مرة أحاول فيها استجداء عطفه.
أنا الآن محطمة تمامًا، لا أستطيع متابعة العلاج، وصورة زواجه القريب تقتلني كل لحظة.
ماذا أفعل مع هذا الزوج الذي لم يرعَ فيَّ ذمة ولا ميثاقًا؟
وكيف أوقف جلد ذاتي وتصديق اتهاماته لي بأنني أنا السبب في رحيله بسبب عصبيتي؟
وكيف أستمد القوة من الله فيما تبقى لي من حياتي لأكون أمًا صالحة لأطفالي في هذه المحنة؟
أرجو منكم توجيهي، فأنا أموت في اليوم مائة مرة.
مرحبًا بك أختي الفاضلة بين إخوتك، وأشكر لك هذه الثقة التي دفعتك لمشاركتنا ألمك الكبير وهمك الثقيل. أسأل الله العلي القدير أن يمنّ عليك بشفاء لا يغادر سقمًا، وأن يربط على قلبك برباط الصبر والسكينة، وأن يبدلك بعد هذا الضيق فرجًا، وبعد هذا الكسر جبرًا يليق بلطفه وكرمه، وبعد...
فإن ما تمرين به -أختي الكريمة- هو ابتلاء شديد لا شك، فقد اجتمع عليك بلاء الجسد بالمرض، وبلاء القلب بالخذلان؛ لكن اطمئني بأن عاقبة هذا البلاء مغفرة ورحمة من الله ورفع في الدرجات، إن صبرت واحتسبت.
خذلان يخالف «الميثاق الغليظ»
إن ما يفعله زوجك اليوم، يا أختي، هو خذلان تأباه الفطرة السوية، وينكره الشرع الحنيف في جوهره الأخلاقي. فالعلاقة الزوجية في الإسلام ليست عقد منفعة ينتهي بانتهاء الصحة؛ بل هي مسؤولية أخلاقية سمّاها الله «ميثاقًا غليظًا» في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21].
بين الحق الشرعي والواجب الأخلاقي:
أختي الفاضلة، يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا وواقعيين؛ نعم، من حق الرجل شرعًا أن يتزوج بأخرى، وهذا أمر أباحه الله -عز وجل- بصرف النظر عن مرض الزوجة أو صحتها، وهذا جانب من الشرع علينا تقبله والتسليم به والصبر عليه احتسابًا للأجر.
لكن، يا أختاه، حقه في الزواج شيء، والمعاملة السيئة والتخلي عنك وخذلانك وأطفالك في وقت المحنة شيء آخر تمامًا. فالدين الذي أباح له التعدد هو نفسه الذي أمره: ﴿فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. والخذلان في وقت المرض ليس من «المعروف» في شيء.
إن تخليه عنك وأنت في شدة المرض وذروة تلقي العلاج، هو تخلٍّ عن أمانة استودعه الله إياها. يقول النبي ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرًا» [رواه البخاري]. فأين الخيرية في هجر زوجة تصارع الألم وتنتظر منه كلمة طمأنينة؟!
كما أن استغلال ضعفك لكسر كبريائك، وتركه لك تترجين بقاءه بمرارة أمام أطفالك، هو موقف سيسأله الله عنه سؤالًا عسيرًا.
لذا أنصحك بأن تتوقفي فورًا عن استجدائه. فأنت عزيزة بصبرك، ومن لا يقدِّر قيمتك وأنت في أضعف حالاتك، لا يستحق أن تراق دمعة واحدة لأجله. احفظي ما تبقى من كبريائك، فصورتك القوية الصامدة هي ما ستحمي أطفالك نفسيًّا.
كيف تتوقفين عن جلد ذاتك وتصديق اتهاماته؟
يحاول زوجك ممارسة «الهروب للأمام»؛ فهو يرمي عليك تهمة «العصبية» ليبرر لنفسه وللناس قبح فعلته بالتخلي عنك في مرضك.
كوني على يقين بأنك لست السبب مطلقًا، فالعصبية وتقلب المزاج هما نتاج طبيعي لضغوط الحياة وتربية ثلاثة أطفال، ثم جاءت صدمة المرض لتزيد الثقل. والزوج الصالح هو من يمتص هذا التعب ويحتويه، لا من يتخذه ذريعة للهروب. يقول النبي ﷺ: «لَا يَفْرَك مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» [رواه مسلم].
إن اتهاماته لك هي مجرد «قناع» يرتديه ليواري سوأة فعله. فلا تسمحي لرسائله السلبية أن تهدم ما تبقى من إرادتك. أنت لست سيئة الخلق، بل أنت امرأة مكدودة، مريضة، ومكلومة، ومن حقك أن تحزني وأن تتألمي.
كيف تستمدين القوة من الله؟
أختاه، إن معركتك الآن هي معركة إرادة ويقين. أطفالك ينظرون إليك كملجأ، وأنت بوصلتهم الوحيدة في هذه العاصفة، بعد تخلي الأب وخذلانه. لذا أنصحك بالتالي:
1- اليقين بمعية الله: إذا تخلى عنك «الخَلق» وغفلوا عنك، فإن «الخَالق» لا يتخلى ولا يغفل. قال تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي» [رواه البخاري]. فأحسني ظنك بالله أنه سيشفيك، وأنه سيتولى أمرك، فهو سبحانه جابر المنكسرين.
2- العلاج جزء من العبادة: إياك أن تتوقفي عن العلاج؛ فجسدك أمانة، وأطفالك يحتاجون وجودك، والاستسلام للمرض هو استسلام لظلم زوجك، فلا تعطه لذة الانتصار بضعفك؛ بل قاومي لتشفي من أجل نفسك ومن أجل صغارك الذين لا ذنب لهم.
3- الدعاء والذكر: اجعلي لسانك رطبًا بذكر الله وبالدعاء. يقول ابن القيم: «في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله». الجئي إلى الصلاة في جوف الليل، وبُثي شكواك لرب العالمين، فهو الوحيد الذي لن يصدك.
4- اللجوء لأهل الحكمة والسلطة: وهذا أمر مهم جدًّا جدًّا لا تتكاسلي عنه. لا تحملي هذا الثقل وحدك؛ بل استعيني بمن له كلمة مسموعة وسلطة عليه من أقاربه أو أهلك أو المعارف من أهل الصلاح. أشركيهم في الأمر ليقوموا بدورهم في زجره وإلزامه بالقيام بمسؤولياته كاملة؛ من توفير الرعاية الطبية لك، والإنفاق الكريم عليك وعلى أطفاله، وحثه على أن يحسن إليك ويعاملك بالمعروف الذي تقتضيه الزوجية والميثاق الغليظ، ولو وصل الأمر إلى مقاضاته رسميًّا. فهذا حقك الذي كفله لك الشرع والقانون، وليس تفضلًا منه.
وختامًا أختي العزيزة، تذكَّري قصة نبي الله أيوب -عليه السلام- الذي فقد الصحة والولد والمال، فصبر حتى ناداه الله: ﴿ارْكضْ بِرِجْلِك ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: 42]. تيقني بأن بعد هذا الليل فجر قادم.
زوجك اختار أن يسقط من عينك ومن ميزان الرجولة، فاختاري أنت أن ترتقي في عين الله بصبرك. ارفعي رأسك، واعلمي أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
نحن هنا معك بدعواتنا وقلوبنا، ونسأل الله أن يربط على قلبك ويثبت قدمك ويقر عينك بشفائك وصلاح أبنائك، وأن يهدي زوجك لما يحبه الله ويرضاه.
روابط ذات صلة:
اتفاق الفقهاء على أن علاج المرأة لا يجب على زوجها!