الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا معاصرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
395 - رقم الاستشارة : 3689
28/12/2025
بمناسبة الاحتفالات الصاخبة التي تحدث في العالم بمناسبة أعياد رأس السنة الميلادية.. سؤالي كيف غيّر الإسلام مفهوم العيد ونقله إلى معان كبيرة تتعلق بالانتصار على النفس؟
أخي الكريم، ستشهد الأيام القادمة احتفالات صاخبة بأعياد رأس الميلاد أو "الكريسماس" أو عيد ميلاد المسيح عليه السلام، وتبدأ من 25 يناير في الكنائس الغربية، أما الكنائس الشرقية فإنهم يحتفلون به يوم (7 يناير).
احتفال عيد الميلاد صاخب، ويشهد زيادة كبيرة للغاية في تناول الخمور، وزيادة في النزعة الاستهلاكية، لكن يرى البعض في تلك المادية الطاغية في الاحتفال أنها تخفي حاجات روحية أعمق...
صخب.. وغياب المعنى
تشهد احتفالات أعياد الميلاد الكثير من مظاهر الصخب والافراط في تناول الشراب والكحوليات، والإسراف في إطلاق الألعاب النارية بمئات الملايين من الدولارات، وكذلك زيادة في حوادث الطرق بسبب القيادة تحت تاثير الكحوليات، وهو ما تؤكد تقارير غربية رسمية، تبدي أسفها وتطلق تحذيراتها لتحول العيد إلى حالة من الصخب والسُكر التي تُهدر فيها الأموال، وقد تُزهق فيها الأرواح.
ففي إحصاء في العام الماضي عن تناول الخمور في المملكة المتحدة كشف عن أن ثلثي متناولي الخمور (حوالي 64%) أعلنوا عن اعتزامهم زيادة تعاطيهم للخمر في ليلة رأس السنة، وأن 75% من الشباب يُرجح أن يتناولوا الخمر أثناء عيد الميلاد بفعل ضغط الأصدقاء.
وأظهر استطلاع أن النبيذ هو المشرروب الأكثر تناولا خلال عيد الميلاد، وأن (57%) من البالغين في المملكة المتحدة يفرطون في شراب الخمر في عيد الميلاد، ولذلك تكثر نصائح الأطباء بالاعتدال في تناول الخمر في تلك الليلة، أو تناول مشروبات خالية من الكحل.
وفي الولايات المتحد كشف استطلاع عن وجود إفراط من الرجال والنساء في تناول الكحوليات ليلة عيد الميلاد، فأقر 47% من الرجال، و40% من النساء بالافراط في تناول الكحوليات في تلك الليلة.
وفي تقرير بعنوان "كيف تغذي أعياد الميلاد استهلاك الكحول" في الولايات المتحدة ذكر أن ربع أرباح شركات الخمور والكحوليات يتم تحصيله في ليلة رأس السنة، حيث تبلغ أرباح الشركات حوالي (49) مليار دولار سنويًّا، وأن ربع ذلك المبلغ الضخم يتم حصده في تلك الليالي التي يتم فيها الاحتفال برأس السنة.
وفي تقرير آخر يفسر الإفراط في شرب الكحوليات في تلك الليلة، على اعتبار أن تلك ليلة يشعر الإنسان فيها بالوحدة نظرًا لحالة الفردية، نظرًا لتفكك روابط الكثير من الأسر، وأن تلك المشروبات تخفف مشاعر الحزن في نفوس هؤلاء الذين يشعرون بالوحدة، وهذا الإفراط في الشراب يمنحهم أمانًا زائفًا.
ونتيجة لهذا التغييب للعقل تحت تأثير الخمر، بعدما تحول الاحتفال إلى شيء صاخب، فإن حوادث السيارات تشهد ارتفاعًا كبيرًا في تلك الليلة، بسبب القيادة تحت تأثير الخمر، وفي تقرير بعنوان "كيف تؤثر العطلات على القيادة تحت تأثير الكحول؟" نشر منذ أيام، ذكر أن أسابيع العطلات تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في حوادث القيادة تحت تأثير الكحول، ويتسبب الكحول في 37% من الحوادث المميتة خلال أسبوع عيد الميلاد، مقارنةً بـ 29% في الأيام العادية على مدار العام.
ويشهد سوق الألعاب النارية للاحتفال بعيد الميلاد إنفاقًا ضخمًا للغاية؛ ففي الولايات المتحدة، ينفق أكثر من (2.3) مليار دولار على الألعاب النارية في الأعياد وبخاصة عيد الميلاد، وهو مبلغ ضخم للغاية يتم إهداره في دقائق، ناهيك عن التلوث البيئي والضوضائي الذي تحدثه تلك الألعاب.
المعنى وعيد الميلاد
النزعة الاستهلاكية المتفشية في الاحتفال بأعياد الميلاد، قابلها بعد المفكرين والفلاسفة الغربيين بنوع من النقد، واعتبروا أن تلك النزعة تخفي احتياجات روحية أعمق، فالنزعة المادية الاستهلاكية تُفقد العيد معناه الروحي والأخلاقي، حتى إن بعض الكتاب رأى أن ربط العيد بحصول الأطفال على الهدايا يرسخ فيهم فكرة الانشغال بالمادية، وربما هذا ما شغل أحد المفكرين الغربيين وهو "تيم كاسر" مؤلف كتاب "الثمن الباهظ للمادية"، والذي شارك في دراسة مع عالم النفس الأمريكي "كين شيلدون"، وخلصا إلى "أنه كلما ركّز الناس على الأهداف المادية كالإنفاق والهدايا خلال موسم الأعياد، قلّ تركيزهم على الأهداف الروحية. كما وجدا أن الناس أبلغوا عن أعياد ميلاد "أكثر بهجة" عندما كانت الروحانية جزءًا كبيرًا من احتفالاتهم، لكنهم أبلغوا عن انخفاض مستوى رفاهيتهم خلال عيد الميلاد كلما طغت الجوانب المادية على الاحتفال".
وهنا تأتي روعة الإسلام أنه غيّر احتفالات السابقين، التي كانت تربط الأعياد بمواسم الحصاد والخصوبة، إلى مجال آخر وهو أن تكون الأعياد مرتبطة بالانتصارات الروحية، مثل عيد الفطر حيث ينتصر المسلم على حاجاته الأساسية من طعام وشراب، فيأتي عيد الفطر كيوم جائزة على تلك المقاومة لشهوات النفس وحاجاتها طيلة شهر كامل، أما اللحظة المعاصرة فإن الرسالة الكبرى للمسلمين أن يؤكدوا بسلوكهم أن العيد هو انتصار على النزعة الاستهلاكية المادية.
روابط ذات صلة:
كيف نجعل خطبة العيد رسالة للأمة لا مجرد موعظة؟