كيف نتعامل مع «الملل من النِّعَم» بعد الحصول عليها؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الأخلاق والمعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 272
  • رقم الاستشارة : 3842
17/01/2026

ألاحظ في حياتي عادة متكررة تسبب لي القلق، وهي أنني أشتاق للأشياء بشدة قبل الحصول عليها، فإذا أصبحت في يدي، مللتها وزهدت فيها بعد وقت قصير.

هذا الأمر يجعلني في دوامة بحث مستمر لا تنتهي، وأخشى أن يكون هذا من كفر النعمة أو عدم تقدير ما رزقني الله به.

كيف أتعامل مع هذا الشعور؟ ومع نفسي التي لا تقنع ولا تسعد بما حصَّلت من مُتع، وتبحث عن المزيد؟

الإجابة 17/01/2026

مرحبًا بك أيها الأخ الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا ومراسلتك لنا. أسأل الله أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، وأن يرزقك نفسًا مطمئنة تقنع بعطائه، وتفرح بفضله، وتستثمر نعمه فيما يرضيه، وأن يملأ قلبك طمأنينة ويقينًا لا يزول، وبعد...

 

فالنفس البشرية جُبلت على حب الاستزادة والتطلع إلى ما ليس في يدها؛ وهو من مناطات الابتلاء والاختبار في الدنيا. والمشكلة تكمن حين يتحول هذا التطلع إلى «دوامة» -كما وصفته- تحرمك من تذوق طعم اللحظة الحاضرة، وتجعلك تعيش في مستقبل متخيل لا يأتي أبدًا، أو ماضٍ زهدت فيه بمجرد امتلاكه. إنك تعاني مما يسميه البعض «لذة المطاردة» التي تنطفئ بمجرد «الظفر»، وهذا يحتاج منا إلى وقفة تأمل عميقة في جذور هذه المشكلة وعلاجها.

 

فهم طبيعة النفس وسر الركض المتواصل

 

يجب أن تعلم يا أخي أن النفس البشرية إذا تُركت بلا لجام، فإنها لا تشبع. وقد وصف النبي ﷺ هذه الحالة بدقة متناهية حين قال: «لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ» [متفق عليه]. وهذا الحديث يصف داء الاستشراف والطمع والتطلع لما في الغيب والزهد في الحاضر.

 

إننا أحيانًا نتطلع لأشياء؛ لأن خيالنا يلبسها ثوب الكمال وهي بعيدة، فإذا اقتربنا رأينا حقيقتها المحدودة، فمللناها وزهدنا فيها. والحل يبدأ من إدراك أن السعادة ليست في تحصيل الشيء نفسه؛ بل في الرضا به بعد نواله، أو الزهد فيه إن عجزنا عنه.

 

هل هذا من كفر النعمة؟

 

خوفك من أن يكون هذا كفرًا للنعمة هو بحد ذاته علامة إيمان، فالجاحد لا يقلق من جحوده؛ لكن دعنا نفرق بين حالتين:

 

- الزهد الطبيعي: وهو برود العاطفة تجاه المقتنيات بعد اعتيادها، وهذا أمر جِبلِّي (طبيعي) لا يُؤاخذ عليه الإنسان ما دام يؤدي حق الله في هذه المقتنيات.

 

- كفر النعمة: وهو السخط على الأقدار، وازدراء ما رزقك الله، أو استخدام النعمة في معصيته.

 

يقول الله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. والشكر ليس مجرد كلمة باللسان، بل هو حال في القلب يرى فضل المنعم قبل النعمة. فإذا أدركت أن هذه النعمة -مهما صغرت- هي منة من الله عليك، فلن تملها سريعًا.

 

خطوات للتعامل مع النفس التي لا تشبع

 

1- تدريب النفس على الامتنان الواعي:

 

اجعل لنفسك وردًا يوميًّا تذكر فيه ثلاث نعم حصلت عليها مؤخرًا وأصبحت في يدك. لا تمر عليها مرورًا عابرًا؛ بل تأمل كيف كانت حياتك قبلها، وكيف يفتقدها غيرك. وتذكر قوله ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» [رواه الترمذي].

 

2- انظر إلى من هو دونك:

 

هذا الدواء النبوي العظيم هو الترياق الوحيد لداء الازدراء. قال ﷺ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» [رواه مسلم]. فإذا مللت من سيارتك، فانظر لمن يمشي على قدميه. وإذا مللت من هاتفك، فانظر لمن لا يجد قوت يومه.

 

3- إدراك حقيقة فناء المتع الدنيوية:

 

هناك قصة لطيفة تُروى عن أحد الزهاد، أنه دخل على ملك يمتلك كل شيء وهو حزين يتطلع للمزيد، فقال له الزاهد: أرأيت لو مُنعت عنك شربة الماء في فلاة (صحراء)، أكنت تشتريها بنصف ملكك؟ قال: نعم. قال: فإذا حُبست في بدنك (لم تستطع إخراجها)، أكنت تشتري خروجها بنصف ملكك الآخر؟ قال: نعم. قال: فلا خير في ملك لا يساوي شربة ماء وبولة!

 

إن الأشياء وسيلة وليست غاية، والتعلق بالوسائل يورث التعب.

 

4- التفكير قبل الاقتناء:

 

قبل أن تنساق خلف شوقك لشيء جديد، اسأل نفسك: هل أحتاجه حقًّا أم أنني أطارد مجرد المتعة وتلبية داعي الشهوة؟ تعوَّد أن تؤجل قرار التملك لمدة أسبوعين؛ فإذا انطفأت الرغبة، علمت أنه كان مجرد وهم وشهوة عابرة.

 

تحويل الشوق من المخلوق إلى الخالق

 

إن السبب الخفي وراء هذا البحث المستمر هو أن في القلب فجوة لا تملؤها المادة مهما كثرت. يقول ابن القيم رحمه الله: «في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته».

 

أنت تبحث عن الكمال في الدنيا، والدنيا ناقصة. لذا، كلما نلتَ شيئًا رأيت نقصه فمللتَه. اجعل تطلعك وشوقك للأخرة ولرضوان الله، فهناك المتع التي لا تذبل، والنعيم الذي لا يحول ولا يزول، كما وصف الله الجنة بقوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: 108]، أي لا يريدون عنها بدلًا ولا يملُّونها أبدًا.

 

وختامًا أيها السائل الكريم، إن دوامة البحث التي تعيشها ستتوقف حين تدرك أن السعادة تنبع من الداخل، لا من الخارج. وإن امتلاك العالم كله لن يسعدك إذا كان قلبك خاليًا من القناعة والشوق للآخرة، وامتلاك القليل سيكفيك إذا كان قلبك غنيًّا بالله. كن سيدًا لأشيائك ولا تكن عبدًا لها، واستمتع بما في يدك استمتاع الشاكر، لا استمتاع المستكثر.

 

اللهم إنا نعوذ بك من نفس لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن علم لا ينفع. اللهم ارزقنا القناعة بما آتيتنا، وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، واجعلنا من الشاكرين لنعمك، المثنين بها عليك، القابلين لها. اللهم اجعل غنانا في قلوبنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، وبارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار.

 

روابط ذات صلة:

حزن وفتور وفقدان شغف رغم كثرة النعم.. التفسير والعلاج

هل تحتاج عقولنا إلى قيمة الرضا؟

الرابط المختصر :