كيف نتغلب على عقلية الاستسهال وإيثار الراحة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 235
  • رقم الاستشارة : 3655
24/12/2025

إذا كانت عقلية الاستسهال وإيثار الراحة تؤدي إلى فشل الإنسان في حياته وإلى تراجع المجتمع حضاريًّا.. فكيف نتغلب من خلال العقل والأخلاق على تلك الروح والعقلية الاستسهالية؟

الإجابة 24/12/2025

أخي الكريم، عقلية الاستسهال وتفضيل الراحة على الإنجاز والتفوق، تحتاج إلى تعديل وتغيير، وكما أكد المفكر "مالك بن نبي": "وإنها لشرعة السماء.. غيّر نفسك تغير التاريخ"؛ فالتغيير يبدأ من الذات ثم ينتقل إلى الخارج، وعقلية استصعاب الأمور من العقبات الكئود أمام أي تقدم أو إنجاز أو نجاح، ولهذا نجد مؤرخًا عاش في القرن السابع عشر الميلادي، وهو الإنجليزي "توماس فولر" حذّر من عقلية الاستسهال، فقال: "كل الأشياء صعبة قبل أن تصبح سهلة"، فقبل البدء يظن الكثير استحالة تحقيق الأمور، ولكن مع الشروع في العمل تتحطم تدريجيًّا تلك الروح التي تستصعب كل شيء.

 

كيف نتغلب على عقلية الاستسهال؟

 

التغلب على عقلية الاستسهال يبدأ أولا من الأفكار، التي ترفض العجز، وترفض أن يتملكها الشعور بالوهن وقلة الحيلة والروح الاستسلامية، ومن النصائح التي يمكن الاستفادة منها:

 

- افعل الأشياء الصعبة: من الضروري أن يتعلم الإنسان أن يواجه مخاوفه، ففي بعض الأحيان قد تكون مواجهة الخوف أهم مرحلة في تجاوزه والإفلات من تأثيراته السلبية؛ فالخوف عائق، ومانع من تحقيق الأهداف، ويدفع الإنسان للقناعة بما هو موجود ومتاح، كان الصوفي "جلال الدين الرومي" ينصح بالمواجهة ويقول: "هروبك مما يؤلمك سيؤلمك أكثر، واجه حتى تشفى"؛ فالمواجهة تحمل في طياتها نوعًا من الشفاء من المخاوف، وسرًّا من أسرار الانتصار على روح الاسترخاء والتقاعس، ومن نصائح خبراء التنمية البشرية "افعل الأشياء الصعبة إذا كنت تريد حياة سهلة"، فاختيار الطريق السهل، هو مصادرة للمستقبل الأفضل.

 

- تجنب الثقة المفرطة بالنفس: لا شك أن الثقة المفرطة بالنفس والقدرات من الأسباب التي تغري بالاستسهال والاستخفاف بالأمور، فالكثير من القادة العسكريين العظام في التاريخ عندما منحوا أنفسهم ثقة مفرطة واستهانوا بعدوهم، ولم يعطوا اللحظة التاريخية حقها من الاستعداد والتأهب، كانت هزائمهم مدوية، وبعض الطلاب الذين يثقون ثقة مفرطة في ذكائهم يستهينون بالامتحانات، فلا يجدون إلا الفشل.

 

الاستسهال قد يكون أحد مخرجات تلك الثقة المفرطة، فالاستسهال لا يغري ببذل الجهد الذي يستحقه العمل، وهذا يفرض التفريق بين وضوح الرؤية والاستعداد للبدء في العمل، والتفرقة بين التنبؤ بالنتائج بناء على المعرفة والتقديرات المدروسة والتنبؤ العشوائي الذي لا يستند إلى معلومات واضحة.

 

ومن المقترحات التي ناقشتها دراسات في علم الإدارة لمقاومة الثقة المفرطة بالنفس أن يدرس الشخص النتائج المحتملة بدقة، ويقسمها إلى فئات، هذه الطريقة تخفض الثقة بالنفس، وتقاوم عقلية الاستسهال، وتجبر الشخص على الدراسة والبحث والتفكير والتوقع، ولذا تصبح مشاعر اليقين الكامل والثقة المفرطة محل شك، وهذا يغذي التفكير الواعي الجاد.

 

- تغيير طريقة التفكير: علم النفس يؤكد أن "ما يعيق الناس في معظم الأحيان هو طريقة تفكيرهم وليس نقص معرفتهم"؛ ولذا ينصح بضرورة مغادرة منطقة الراحة، وفي كتاب صدر قبل أكثر من ثلاثة عقود بعنوان "الخطر في منطقة الراحة" لمفكرة الإدارة الأمريكية "جوديث باردويك" عرفت الراحة بأنها "حالة سلوكية يعمل فيها الشخص في حالة محايدة من القلق، مستخدمًا مجموعة محدودة من السلوكيات لتحقيق مستوى ثابت من الأداء، وعادةً دون الشعور بالمخاطرة"، وفي تلك المنطقة لا يوجد حافز كبير للأفراد لبلوغ مستويات أداء جديدة، فيميل الشخص إلى الروتين الخالي من المخاطر، وهذا يؤدي إلى توقف النمو والتقدم، ولعلنا نشير هنا إلى الآية (37) في سورة المدثر قال تعالى ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ ولم يذكر القرآن الكريم حالة التوقف؛ لأن التوقف ما هو إلا تأخر، ولذا فهو مندرج تحت عباءة التأخر.

 

- التحفيز: قد يكون التحفيز دافعًا على مغادرة منطقة الراحة والدعة والاستسهال؛ لأنه يشحن الهمة ويقوي العزيمة على الفعل، ولعلنا نشير هنا إلى "قانون يركيس-دودسون" وهو قانون تم وضعه عام 1907م حيث أجرى العالمان "روبرت يركيس" و"جون دودسون" تجارب على إعطاء صدمة كهربائية للفئران لتحفيزها، ولوحظ أن الفئران أصبحت أكثر تحفيزًا لإكمال المتاهات عند تعرضها لصدمات كهربائية متزايدة الشدة، ولكن عندما زادت الصدمات اختل الأداء، فمثلا التكليف بمهام جديدة ومرهقة قد يحفز الشخص على العمل وترك منطقة الراحة، وبعد فترة من العمل والمثابرة تنشأ منطقة راحة جديدة يحتاج الفرد لاجتيازها، وهكذا تنمو قدرات الإنسان، تقول الحكمة "إن أفضل البحارة لا يولدون في مياه هادئة".

 

روابط ذات صلة:

لماذا انتشرت عقلية الاستسهال بين الشباب؟

كيف عالج الفكر الإسلامي آفة التسويف؟

كيف نتغلب على عقلية التسويف؟

لماذا تنشأ عقلية التسويف وكيف نتغلب عليها؟

 

الرابط المختصر :