كيف نفهم {ولذلك خلقهم} بين استثناء الرحمة وكلمة العذاب؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : العلاقة بالقرآن
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 121
  • رقم الاستشارة : 4335
11/03/2026

السلام عليكم.

كنت أقرأ القرآن ومررت على قول الله -عز وجل- في سورة هود: {وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ} فالتبس عليَّ فهمها فرجعت للتفاسير فوجدت تفسيرات متعددة للآيتين، وخصوصا قوله تعالى: {ولذلك خلقهم}.

كيف أفهم هاتين الآيتين، والحكمة من خلق الناس مختلفين؟

وهذا الاستثناء بالرحمة لمن ولماذا؟ وكيف نفهمه في سياق ما بعده من قضاء الله بملء جهنم من الجنة والناس أجمعين.

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة 11/03/2026

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يبارك في حرصك على فهم كلامه والوقوف على مراده. رزقنا الله وإياك العلم النافع والعمل الصالح، ونوَّر بصائرنا بهدي القرآن الكريم، وبعد...

 

سُنة الاختلاف وكرامة الاختيار

 

يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ﴾ [هود: 118].

 

في هذه الآية يقرر الله –سبحانه- حقيقة كونية؛ وهي أن الله قادر على أن يصيغ البشر جميعًا على قلب رجل واحد في الإيمان أو الضلال، كما هي حال الملائكة الذين وصفهم بقوله: «لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ» [التحريم: 6].

 

لكن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون الإنسان كائنًا مكلَّفًا، يملك إرادة حرة واختيارًا بين سلوك طريق الهداية أو طريق الغواية. وهذا الاختلاف المذكور هو اختلاف في الأديان والمذاهب والآراء، وهو نتيجة طبيعية لمنح الإنسان حرية الإرادة. فلو أجبر الله الناس على الهدى لبطل معنى التكليف والابتلاء، ولما استحق المحسن ثوابًا ولا المسيء عقابًا.

 

استثناء أهل الرحمة

 

ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: 119]. هذا الاستثناء يوضح أن هناك فئة من الخلق نالوا توفيق الله ورحمته، فاجتمعوا على الحق واتباع الرسل. فبينما يضرب التيه والاختلاف المذموم الناس يمينًا وشمالًا، يثبِّت الله من يشاء برحمته على المنهج القويم. فالرحمة هنا هي الهداية للحق في الدنيا، والنجاة من عذاب الله في الآخرة.

 

المقصود بقوله: «ولذلك خلقهم»

 

هذا الموضع هو الذي وقع فيه اللبس، وقد ذكر المفسرون فيه وجهين رئيسين:

 

1- الإشارة إلى الرحمة: أي ولأجل الرحمة خلقهم، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما. فالله خلق الخلق ليرحمهم ويفيض عليهم من فضله، وهذا يتناسب مع سعة رحمته التي سبقت غضبه.

 

2- الإشارة إلى الاختلاف والرحمة معًا: أي خلقهم ليكونوا فريقين؛ فريقًا يختلف فيشقى، وفريقًا يرحمه الله فيسعد. وهذا ليظهر مقتضى أسمائه وصفاته في خلقه، فمنهم من يظهر فيه عدل الله بضلاله لسوء اختياره، ومنهم من تظهر فيه رحمة الله بهدايته لصدق طلبه.

 

ملء جهنم والعدل الإلهي

 

أما قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ﴾ [هود: 119].

فهذا تمام العدل؛ فالله قد جعل الرحمة والهدى مبذولين للجميع، فمن أعرض واختار طريق الاختلاف والضلال بملء إرادته، فقد استحق الوعيد الذي سبق في علم الله. فالنار لا تمتلئ إلا بالظالمين الذين أبوا الرحمة واختاروا الجحود.

 

مثال للتوضيح:

 

تخيَّل والدًا يربي أبناءه، وقد وفَّر لهم كل سبل النجاح، وقال لهم: «من اجتهد فسأكرمه، ومن أفسد فسأعاقبه». فإذا اجتهد أحدهم فقد نال فضل والده، وإذا أفسد آخر فما نال إلا عدل والده وما جنته يداه.

 

ولله المثل الأعلى، فالله –تعالى- خلق الناس للرحمة، لكنه لا يجبرهم على العمل بمقتضاها، فمن رفضها بالعصيان فقد أحلَّ بنفسه العقاب.

 

وختامًا أخي الكريم، إن الوقوف عند هذه الآيات يورث العبد توازنًا بين الخوف والرجاء؛ خوفًا من أن يميل به الاختلاف عن الجادة، ورجاءً في أن يدركه الله برحمته الواسعة.

 

أسأل الله أن يجعلنا وإياك من أهل الرحمة الذين لا يضلون ولا يشقون، وأن يثبِّت قلوبنا على دينه، ويجمعنا في مستقر رحمته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. اللهم آمين.

 

روابط ذات صلة:

إذا كان دخول الجنة برحمة الله لا بالعمل.. فلماذا نعمل؟

كيف نجعل الجنة والنار محركًا لكل قراراتنا؟

الرابط المختصر :