كيف يحبني الآخرون بعد رحيلي؟!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : تربوية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 574
  • رقم الاستشارة : 1717
24/04/2025

كنت قاعدة مع صديقتي وسألتني هيك فجأة: كيف بتحبي الناس يتذكروك يا هنا؟ صراحة السؤال لمسني، جاوبتها من قلبي… قلت: نفسي الناس يقولوا عني إني إنسانة طيبة وكريمة، مو بس بالفلوس، كمان بمشاعري نفسي أكون أم رائعة، حتى لو لسه ما جربت الأمومة، ونفسي أكون شاطرة بشغلي، وأترك وراي ذكرى حلوة وبصمة طيبة.

بس بعدها ضليت أفكر… إحنا فعلاً بنفكر بالإرث اللي بدنا نتركه؟ شو الأثر اللي بدي أتركه؟ وكيف ممكن ألاقي توازن بين حلمي إني ألاقي شريك يجيبلي أمان واستقرار، وبين طموحي بالحياة والشغل؟

سؤالي لحضرتك: كيف أشتغل على نفسي بهدوء عشان أوصل للنسخة اللي بحب الناس تتذكرني فيها؟ وكيف أفرق بين طموحي الحقيقي، وبين إني أكون عم بعيش صورة حابة الناس تشوفني فيها؟ وهل في أمل ألاقي التوازن اللي بديه ولا هو حلم مثالي؟ ممتنة لوقتك واهتمامك.

الإجابة 24/04/2025

ابنتي الغالية "هنا"،

 

سؤالكِ النقي لامس قلبي، وجميل أن الإنسان يتوق لترك بصمة لا تُنسى، لا بثراء مؤقت أو شهرة زائلة، بل بطُهر النية وصدق الأثر.

 

هذا في حد ذاته يدل على نضج وجداني عميق ووعي ذاتي مبكر، يُطلق عليه في علم النفسSelf-Actualization Drive ، أي "دافع تحقيق الذات"، وهو من أعلى احتياجات الإنسان.

 

أولاً: كيف تبنين النسخة التي تتمنين أن يتذكرك بها الناس؟

 

السر يكمن في الاتساق بين الداخل والخارج.. وذلك بأن تكوني على حقيقتك، لا نسخة معدّلة لتنال الإعجاب، بل نسخة منقّاة لتحققي الرضى الداخلي.. وهنا يجب أن تبدئي بـالآتي:

 

1- كتابة مذكّرة ذاتية بسيطة.. اكتبي فيها من أنتِ، وما القيم التي تؤمنين بها، وما الأمور التي تُشعل حماسك، ثم قارني بين هذا وما تفعلينه فعليًّا يوميًّا.

 

2- قومي بتحديد هويتك الشخصية، وهذا من خلال وضع أسئلة لذاتك، مثل:

 

- ما هي رسالتي في الحياة؟

 

- ما الأثر الذي أودّ تركه في من حولي؟

 

- ما الصفات التي أتمنى أن تكون جزءًا من شخصيتي؟

 

3- اعملي على تطوير شخصيتك بما يُسمى بـ: "الجدارات الشخصية" – Core Competencies  كالتواصل الوجداني، الذكاء الاجتماعي، ضبط النفس، مهارات القيادة العاطفية Emotional Leadership؛ فهذه الأمور هي التي تصنع من الإنسان ذاكرة طيبة في قلوب الآخرين.

 

ثانيًا: يجب أن تدركي -ابنتي الحبيبة- أن هناك فرقًا بين "الطموح الحقيقي" و"الصورة التي تريدين أن تُرى".

 

وهنا تكمن أرقى مراحل النضج النفسي: أن تُميّزي بين طموحك الداخلي الذي ينشأ من شغف ومهارة وحاجة وجدانية، وبين الصورة المتوقعة منك اجتماعيًّا أو ظاهريًّا.

 

اسألي نفسك بصدق:

 

- هل هذا الحلم يريحني عندما أكون وحدي؟ أم أنني أشعر بالحاجة إليه فقط حين أُقارن نفسي بالآخرين؟

 

- هل أمارسه في الخفاء بشغف؟ أم فقط حين يصفق لي أحد؟

 

من هنا ستتضح لكِ ملامح ما هو "أصلي" وما هو "مُستعار".

 

ثالثًا: أما عن التوازن بين الطموح والحياة الشخصية:

 

فهو ليس حلمًا مثاليًّا كما تظنين، بل مشروع إنساني مستمر، يُبنى بالحكمة والمرونة، ونعبر طريقه بتوازن تدريجي.

 

إن ما تحتاجينه حبيبتي، هو مفهوم "الدمج الواعي – Conscious Integration" وليس الصراع، بمعنى أوضح: أن تتركي لنفسك مساحة لأن تكوني شغوفة، وأن تُعبّري عن ذاتك في العمل والإنجاز، لكن دون أن تنفي حاجتك الإنسانية للاستقرار والاحتواء.

 

رابعًا: الأمل؟ نعم، موجود

 

بل إن الله سبحانه أودع فيكِ هذا الحلم الجميل لتبدئي رحلتك نحوه، ولقد وعدنا عز وجل: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}، فجهاد النفس لتحقيق ذاتها بحب ورضا وإيمان، هو طريق الهداية والبركة والسكينة بعون الله تعالى؛ فاجعلي قلبك متعلقًا بالله تعالى وبأداء الفرائض والنوافل، فكلما كنتِ في معية الله، وصحبة كتابه العزيز، حفظك وأحبك، وهُنا يا "هَنا" ضمنت حب العباد في حياتك وبعد رحيلك - بارك الله في عمرك-.

 

ابنتي الغالية:

 

اعملي كل يوم على أن تكوني أفضل قليلًا مما كنتِ عليه بالأمس، دون صراخ داخلي أو جلد للذات، فهذا ما نسميه Tiny Gains Psychology أو علم التحسن البسيط، وهو أساس النجاح النفسي الحقيقي.

 

فكل تقدم يحتاج إلى خطوات تدريجية نحوه، لضمان نجاح سليم وثابت.. فهوني على نفسك ولا تتعجلي النتائج.

 

* همسة أخيرة لابنتي الحبيبة "هَنا":

 

إن شاء الله تعالى، ستصبحين يومًا تلك الإنسانة الطيبة، الدافئة، القوية، المؤثرة، التي لن تُنسى، لا لأنكِ مثالية، بل لأنكِ حقيقية.

الرابط المختصر :