الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
270 - رقم الاستشارة : 3375
22/11/2025
كيف نظر الفكر إلى الإجهاض؟ ولماذا هناك إصرار على اعتبار الاجهاض حقًّا للمرأة وادعاء آخرين أن ذلك يخل بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة؟
أخي الكريم، سؤالكم يفتح جرحًا إنسانيًّا وأخلاقيًّا كبيرا، وهو التطبيع مع الإجهاض واعتباره حقًّا للمرأة وقرارًا يخصها وهي من تتخذه وقتما شاءت، وهذا التطبيع متصاعد ويسعى أن يستقر في قوانين وتشريعات تمنح المرأة الحرية في الإجهاض، الذي يُعرف بأنه التخلص من الحمل عمدًا.
التطبيع مع الإجهاض
الإجهاض تكاد الفلسفة الأخلاقية مستقرة على النظر إليه كنوع من الإجراء الذي يمكن اللجوء إليه لضرورة قصوى كالخوف المؤكد على صحة الأم، أو لتشوهات كبيرة في الجنين، أما ما عدا ذلك فهناك اتجاهات أخرى -تحت ستار المساواة والحرية- تسعى لاعتباره من حقوق المرأة.
الفسلفة الأخلاقية الرافضة للإجهاض تقول إن للجنين الحق في الحياة، وهو حق ليس للمرأة أن تسلبه منه، وإن التخلص ممن له حق في الحياة هو جريمة أخلاقية، ومن ثم رأى هذا الاتجاه أن الإجهاض خطأ أخلاقي لأنه قتل.
أما الاتجاه الفلسفي المؤيد للإجهاض فيرى أن الجنين ليس شخصًا، ومن ثم فهو لا يتمتع بحق الحياة إلا في مرحلة معينة من نموه، وابتكروا حجة سخيفة للغاية أسموها "حجة عازف الكمان"، وملخصها أن عازفًا للكمان مصابًا بفشل كلوي يتطلب لشفائه بقاء شخص بجواره في السرير مدة تسعة أشهر حتى تتمكن كليته من إعادة تدوير دمه.. ومعنى هذه الحجة أنه ليس لأحد أن يجبر شخصًا ما على البقاء تسعة أشهر بجوار شخص من أجل منحه حق الحياة.
ورغم هشاشة تلك الحجة المنطقية، وتهاويها الأخلاقي والإنساني فإن هناك من يروجها وكأنها حجة دامغة لمنح المرأة الحق في التخلص من جنينها، ويمكن النظر لهشاشة حجة عازف الكمان منطقيًّا من أن ممارسة تلك المرأة للجنس بالتراضي يفرض عليها أن تتحمل نتيجة تلك الممارسة التي أنتجت ذلك الجنين.
وذهبت الحجج المؤيدة للإجهاض إلى أن الحمل يعيق المرأة عن ممارسة العمل مثل الرجل، وهذا يخل بمبدأ المساواة، وتأسيسًا على هذا المنطق النفعي فإن الحمل يعيق المرأة في مجال العمل والكسب.
هذه الرؤية السطحية لا تريد أن ترى الاختلافات التي أودعها الله في الرجل والمرأة، وحالة الاختلاف الذي يقود إلى التكامل بينهما لتستمر الحياة بالتناسل والنمو، وهؤلاء لا يرون في الإنسان إلا آلة إنتاج يجب أن تعمل بأقصى طاقتها، ويجب ألا يعيقها شيء حتى ولو كان هذا الشيء فطريًّا إنسانيًّا، وربما الجذور لتلك الرؤية النفعية تستمد أفكارها ومقولاتها من الفلسفة المادية التي اختزلت الإنسان في بُعده المادي فقط، واختزلت هذا البعد المادي في جانبه الإنتاجي والاستهلاكي فقط.
إباحة الإجهاض
تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية في نوفمبر 2025م إلى أنه يجري سنويًّا (73) مليون حالة إجهاض حول العالم، وأن ستًا من كل عشر حالات حمل غير مقصودة تنتهي بالإجهاض المتعمد، والمقصود بكلام المنظمة هو الحمل خارج إطار الزواج، لكن المهم الذي أشارت إليه إحصاءات المنظمة الدولية أن 45% من حالات الإجهاض غير آمنة، ومعنى ذلك أن الإجهاض لا يتم حفاظًا على صحة الأم أو أن الجنين يشكل خطرًا على حياته، ولكن الإجهاض نفسه هو الخطر الأكبر على المرأة، ولعل هذا ما يضع حجرًا كبيرًا في فم الذين يروجون للإجهاض على أنه حفاظ على صحة المرأة.
ورغم أن الأدلة لا تدعم وجهات النظر الداعية للإجهاض، فإن هناك من يدعم تشريع الإجهاض، ويلاحظ أن هناك دولة عربية وحيدة سنّت قانونًا يبيح الإجهاض، وذلك عام 1973م وهي تونس، وتشير الإحصاءات إلى أنه تم تسجيل ما يقرب من (34) ألف حالة إجهاض عام 2017، وحوالي (20) ألف حالة إجهاض سنة 2023، وأن 20% ممن مارسن الإجهاض كن بلا زوج.
والحقيقة أن مجمل الفسلفة الأخلاقية لا يؤيد الإجهاض، ويراه تعديًا على حق الحياة للجنين. أما الرؤية الأخلاقية الإسلامية فهي واضحة في رفض الإجهاض رفضًا قاطعًا، كما أن إباحة الإجهاض تعني في أحد أشكالها إباحة مداواة الانحراف الأخلاقي والزنا بجريمة أكبر وهي الإجهاض.
موضوعات ذات صلة:
حكم إجهاض الجنين بسبب العزم على الطلاق
النسوية وإباحة الإجهاض.. العداء للبراءة