ما السبيل إلى الخلاص من إدمان مواقع التواصل دون غلقها؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الفتور والضعف
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 125
  • رقم الاستشارة : 5285
11/07/2026

أعمل في مجال الإعلام، وعندي زوجة وثلاثة أطفال، عملي يستغرق مني حوالي 10 ساعات يوميا.

أعاني بشكل كبير جدا من إدمان الهاتف ومتابعة مواقع التواصل، حتى أن لدي أكثر من حساب على فيسبوك، وأجعل لكل حساب اهتمامات معينة، ويضيع وقت فراغي كله في متابعة هذه الحسابات بين مشاهدة الريلز والبوستات والفيديوهات التي لا تنقطع، حتى في المواصلات، وأنا آكل، وقبل النوم، بل أحيانا أقطع العمل لأنظر في الهاتف وأتابع هذه الحسابات.

أصبحت فعلا أشعر بشعور المدمن إن حاولت الامتناع عن ذلك، لما يضيعه علي من ساعات طويلة، فيحرمني من القيام بكثير من الواجبات تجاه نفسي وأولادي وبيتي.

أريد أن تساعدوني في التخلص من هذه العادة، ولا تقولوا لي أغلق هذه الحسابات أو تخلى عن الجوال، فأنتم تعلمون استحالة ذلك في عصرنا هذا.

أريد حلا عمليا يمكنني من خلاله ترشيد هذه العادة السيئة.

وشكرا لكم.

الإجابة 11/07/2026

مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يبارك لك في عمرك ووقتك ورزقك، وأن يصلح لك زوجك ويهدي لك أولادك، وأن يقر عينك بصلاحهم، وأن يعينك على طاعته ورعاية بيتك، وأن يرزقك الحكمة والاتزان في إدارة حياتك وعملك، ويصرف عنك شتات الأمر وضياع الوقت، اللهم آمين، وبعد...

 

أخي الحبيب، إن ما تشكو منه هو آفة العصر، وتحدٍّ يواجه الناس كلهم حول العالم، وتزداد حدته بالطبع مع من يعملون في الحقل الإعلامي مثلك، لاضطرارهم إلى متابعة الأحداث وما يدور حولهم أولًا بأول، والتفاعل معه.

 

واعترافك بوجود مشكلة، وشعورك بما تسمى «أعراض الانسحاب» أو الضيق عند محاولة الابتعاد عن وسائل التواصل، يعبر بوضوح عن حالة إدمان لهذه الوسائل.

 

ولا يخفى عليك أن مواقع التواصل الاجتماعي صممتها كبرى الشركات بالاستعانة بعلماء نفس وسلوك لجعل التصفح اللانهائي يفرز هرمونات الراحة والسعادة المؤقتة في الدماغ مع كل «ريلز» أو «بوست»، مما يجعل ترك الهاتف أمرًا شاقًّا جدًّا على النفس.

 

ولأني أدرك تمامًا طبيعة عملك الإعلامي، واستحالة الانعزال عن هذه الوسائل في عصرنا الحالي، فإني لن أقول لك: «أغلق حساباتك» ولا: «تخلَّ عن هاتفك»، بل سأحاول أن أضع معك خطة لترشيد وتطويع هذه التقنيات، لتكون أنت السيد المتحكم فيها، لا العبد المنقاد لها. ونبدأ معًا بتذكر بعض المفاهيم التي يجب أن نفعِّلها لتتحول إلى سلوك وعمل.

 

الوقت رأس مال وأمانة

 

إن الإسلام نظر إلى الوقت باعتباره رأس مال الإنسان الحقيقي في هذه الحياة، وكل دقيقة تمضي هي جزء من عمرك لن يعود. يقول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1 و2]. وفي الحديث الشريف، يقول رسول الله: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» [رواه البخاري]. والمغبون هو الخاسر. وأنت أخي الحبيب تخسر ساعات ثمينة لو استثمرتها في عبادتك أو مع زوجتك وأولادك، أو حتى في راحة جسدك لتغيَّر الكثير.

 

أنت أب وزوج، وهذه مسؤولية شرعية ستحاسب عنها يوم القيامة، فالوقت الذي تقضيه في تنقل غير موجَّه بين المواقع والحسابات، هو وقت مقتطع من حق زوجتك وأطفالك. يقول النبي: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته» [رواه البخاري].

 

ويقول أيضًا: «لن تزول قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسأَلَ عن أربعِ خِصالٍ: عن عُمرِه فيما أفناه، وعن شبابِه فيما أبلاه، وعن مالِه من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن عِلمِه ماذا عمِل فيه» [رواه البزار والطبراني]. فتخيل يا أخي عندما يسألنا الله عن ساعات «الريلز» والفيديوهات التي لا طائل منها، بمَ سنجيب؟!

 

يقول الحسن البصري -رحمه الله- ملخصًا حقيقة العمر: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك».

 

أثر الغياب عن واقع الأسرة والعمل

 

أخي الفاضل، إنك عندما تكون ببيتك فإنك تكون حاضرًا بجسدك فقط، مع أطفالك وزوجتك وعلى مائدة الطعام، ولكن عقلك وقلبك ووعيك في أماكن أخرى عبر شاشة هاتفك. والأطفال لا يتعلمون بما نقوله لهم، بل بما يرونه منا. فعندما يرى أطفالك والدهم دائم الإمساك بالهاتف، سيتولد لديهم شعور بأن هذا الجهاز أهم منهم عند والدهم، ومستقبلًا سيصابون بالإدمان ذاته لأنهم يقلدونك.

 

إن أطفالك في مرحلة بناء وتكوين، ويحتاجون منك إلى تواصل بصري وسمعي وحسي مباشر معك، إلى حديث، إلى حضن، إلى توجيه ولعب.

 

وكذلك الزوجة التي يغيب زوجها 10 ساعات في العمل، تنتظر عودته لتتحدث معه وتشاركه هموم البيت والأبناء. وعندما تجد الهاتف شريكًا لها حتى أثناء الطعام وقبل النوم، سيصيبها الإحباط والفتور العاطفي، وقد يؤدي ذلك إلى فجوة كبيرة بينكما وجفاف.

 

كما أن تشتيت الانتباه بقطع العمل للنظر في الهاتف يقلل من كفاءتك المهنية، ويجعلك تحت ضغط عصبي مستمر؛ لأن الدماغ يستغرق نحو 20 دقيقة ليستعيد تركيزه الكامل بعد كل التفاتة للهاتف!

 

وبما أنك لا تستطيع التخلي عن الهاتف ولا الحسابات، فإليك هذه الاقتراحات للترشيد:

 

1- مؤقت استخدام التطبيقات:

 

يمكن من خلال الهاتف عمل مؤقِّت لاستخدام التطبيقات، فحدد وقتًا أقصى لتطبيقات التواصل (مثلًا: ساعتين يوميًّا فقط). فبمجرد انتهاء الوقت، سيغلق التطبيق تلقائيًّا، ولن يُفتح إلا بكلمة مرور، مما يمنحك «فرملة» وتذكيرًا يساعدك على التحكم في رغبة التصفح.

 

2- تصفية المحتوى:

 

إن مواقع التواصل الاجتماعي تعتمد على خوارزميات تراقب وقت توقفك أمام كل منشور. فإذا توقفت لمشاهدة مقطع ما أو منشور ما، ستفهم الخوارزمية فورًا أن هذا المحتوى يثير اهتمامك، وستغرق حسابك بمئات المقاطع المشابهة في المرات القادمة لتضمن بقاءك أطول فترة ممكنة. لذلك، عليك إجبار هذه الخوارزميات على إظهار ما تريد أنت، لا ما تفرضه هي عليك، امتثالًا للتوجيه الرباني في الإعراض التام عن مشتتات النفس: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]. ويمكنك تطبيق ذلك عمليًّا عبر الخطوات التالية:

 

- تفعيل ميزة «غير مهتم»: في كل مرة يظهر لك مقطع أو منشور خارج نطاق اهتمامك، لا تكمل مشاهدته أبدًا؛ بل اضغط فورًا على النقاط الثلاث الجانبية واختر «إخفاء» أو «غير مهتم». تكرار هذا الفعل أكثر من مرة سيدرب الخوارزمية ويفهمها أنك ترفض هذا النوع من المحتوى.

 

- إلغاء المتابعات: قم بعملية تصفية صارمة لكل الصفحات والحسابات التي تتابعها. فأي صفحة تنشر محتوى يشتت انتباهك أو يخرجك عن هدف الحساب الرئيسي، قم بإلغاء متابعتها فورًا، لتجعل صفحتك الرئيسية نقية تمامًا ومقتصرة على ما ينفعك.

 

- حذف سجل البحث والمشاهدة: اذهب إلى إعدادات الحساب وقم بحذف سجل البحث وسجل المشاهدات. فهذه الخطوة تمسح ذاكرة التطبيق، وتجعله يعود لنقطة الصفر، وهنا تبدأ أنت بالبحث فقط عما يخص مجال اهتمامك لتبني الخوارزمية سلوكها الجديد بناءً عليه.

 

- التجاوز السريع: عوِّد نفسك عند التصفح، إذا لم يكن المنشور مرتبطًا بعملك أو باهتمامك المحدد، على أن تتجاوزه سريعًا. إن عدم توقفك عنده سيُرسل إشارة تقنية سلبية للتطبيق بأن هذا المحتوى فشل في جذب انتباهك، فيتوقف عن اقتراحه لك مستقبلًا.

 

وهنا أتذكر قول ابن القيم رحمه الله: «دافع الخطرة، فإن لم تفعل صارت فكرة، فإن لم تدافعها صارت عزيمة، فإن لم تدافعها صارت فعلًا»، وخوارزميات الهاتف اليوم تلعب على هذه الخطرات العابرة لتحولها إلى إدمان، وبقطعك لها من البداية تحمي نفسك ووقتك.

 

3- إيقاف الإشعارات:

 

أوقف إشعارات وسائل التواصل، ولا تجعل الهاتف هو من يستدعيك وقتما يشاء؛ بل ادخل أنت إلى الحسابات وقتما تشاء أنت وبإرادتك، لتطلع على ما تريد في وقت محدد ثم تخرج.

 

4- تدابير سلوكية في البيت:

 

ومن هذه التدابير: منع دخول الهاتف لغرفة النوم نهائيًّا. اشترِ منبهًا عاديًّا للاستيقاظ. فالوقت الذي قبل النوم هو أخطر وقت في استعمال الهاتف، ويسبب الأرق. فاستبدل به حديثًا مع زوجتك، أو قراءة وردك القرآني، أو صفحات في كتاب مفيد.

 

كذلك عند تناول الوجبات في البيت أو حتى في العمل، يُوضع الهاتف بعيدًا أو في الحقيبة على وضع الصامت. فوقت الطعام هو وقت تواصل اجتماعي حقيقي ينبغي عدم التفريط فيه.

 

5- إحلال بدائل مفيدة:

 

فمثلًا: بدلًا من تصفح مواقع التواصل في المواصلات، استمع إلى «بودكاست» ثقافي أو مهني يطور مهاراتك الإعلامية، أو استمع إلى القرآن الكريم، أو اجعل هذا الوقت خالصًا لذِكر الله والاستغفار.

 

أيضًا يمكنك تحديد ساعة واحدة يوميًّا تكون فيها بالكامل مع زوجتك وأولادك دون هاتف. تلعب معهم، وتستمع إلى تفاصيل يومهم. ستملؤك سعادة زوجتك وأطفالك بهذه الساعة برضا نفسي يغنيك عن تدفق هرمونات السعادة الوهمية من مواقع التواصل.

 

وحبذا لو تعود لممارسة هواية كنت تحبها وانقطعت عنها، أو رياضة ما، ولو في البيت، تجدد بها نشاطك، وتحسِّن بها صحتك الجسدية والنفسية.

 

وختامًا أخي الحبيب، إن تغيير العادات يحتاج إلى صبر ومجاهدة في الأيام الأولى، وستشعر برغبة عارمة في الإمساك بالهاتف وتصفحه كلما تركته (وهذا طبيعي جدًّا كأي مدمن يتعافى)، ولكن تذكر دائمًا الأثر الجميل الذي ستجنيه في بيتك ونفسك وعملك وصحتك. ابدأ تدريجيًّا خطوة خطوة حتى تصل للتوازن الذي تبحث عنه.

 

اللهم يا مقلب القلوب والأبصار، ثبِّت قلب أخينا على طاعتك، وأعِنه على ذِكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم بارك له في وقته وعمره. اللهم أصلح له زوجته، واهدِ له ذريته، واجعل بيته عامرًا بالسكينة والمحبة والوئام، واصرف عنه شتات الأمر والوقت، واجعل قرة عينه في الصلاة وفي أهله. وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

جوالها يسرق عمرها.. وسائل للخلاص من إدمان الشاشات

بعد الإجهاض كرهت العلاقة الزوجية.. ما الحل؟

الأولاد و”الموبايل”.. الوقاية قبل التمكين

الرابط المختصر :