الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : قضايا معاصرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
31 - رقم الاستشارة : 5379
23/07/2026
أعمل طبيباً في عيادة تجميل، وتأتيني حالات لفتيات يطلبن إجراء جراحات لـ "تعديل انحراف شديد في الأنف" يسبب لهن ضيقاً في التنفس وتشويهاً ظاهراً، وحالات أخرى يطلبن "تصغير الأنف" لمجرد مواكبة صيحات الموضة وزيادة الجمال؛ فما هو الضابط الفقهي الذي يفرق بين الجراحة التجميلية الجائزة والمحرمة في عملي؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله
ورعاك أن مهنة الطب في الشريعة الإسلامية رسالة إنسانية نبيلة قائمة على دفع الضرر
ومداواة الآلام وإعادة البدن إلى أصل خلقته السوية. وبناءً على ذلك، فرق الشارع
الحكيم في جراحات التجميل بين "الطب التجميلي العلاجي" الذي يُقصد به
إزالة تشويه أو رفع ضرر وظيفي، وبين "الطب التجميلي التحسيني" الذي
يُقصد به تغيير خلق الله المعتدل لمجرد مواكبة الصيحات وزيادة التجمّل، والأمر
للأسف الشديد كل يوم في اتساع نحو ما لم يكن يتصوره عقل حتى وصل الأمر في بلاد
المسلمين إلى عمليات تجميل في موضع عفة المرأة يجريها أطباء رجال ومسلمون، ويقول
أحدهم بلا خجل إن الله جميل يحب الجمال.
والطبيب المكلف شرعًا مُطالب بتحري الحلال في عمله؛ إذ
يُعدّ مشاركًا ومباشرًا للفعل، فلا يجوز له إجراء جراحة تحرمها الشريعة ولو كان
ذلك بناءً على طلب المريض.
اختصارًا: الضابط
الفقهي في الفرق بين الجراحة التجميلية الجائزة والمحرمة يتلخص في وجود العيب أو
الضرر مقابل طلب زيادة الحسن والتغيير الشكلي.
الجراحة الجائزة التجميل العلاجي: وهي كل جراحة تُجرى لإصلاح عيب خِلقي كالانحراف الشديد
في الأنف أو عيب طارئ عن حادث أو حرق، أو لرفع ضرر وظيفي مؤكد كضيق التنفس، وعمل
الطبيب فيها جائز ومأجور عليه شرعًا؛ لأنها من باب المداواة وإعادة الخِلقة إلى
أصلها السوي، وتندرج تحت رفع الحرج والضرر.
الجراحة المحرمة التجميل التحسيني: وهي كل جراحة تُجرى لعضو معتدل الخلقة ولا يعاني من ضرر
وظيفي أو تشوه ظاهر، لمجرد تصغيره أو تكبيره أو تعديله اتباعًا ومحاكاة للغير أو
طلبًا لزيادة الحسن، وعمل الطبيب فيها محرم شرعًا؛ لما فيه من تغيير خلق الله
تعالى المنهي عنه، وتُعد إعانة الطبيب للمريض فيها من باب الإعانة على الإثم
والعدوان.
وتفصيلاً:
اشتملت الشريعة الإسلامية على نصوص وقرارات مجمعية صريحة
تفصل بين الحالتين:
قرارات المجامع الفقهية المعاصرة
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون
الإسلامي:
في دورته الثامنة عشرة المنعقدة في الرياض 1428 هـ /
2007 م، أصدر المجمع القرار رقم 173 11/18 بشأن الجراحة التجميلية وأحكامها، وجاء
فيه تفصيل دقيق للضابط الشرعي:
أولاً: الجراحة التجميلية العلاجية الجائزة: «يجوز شرعًا
إجراء الجراحة التجميلية الضرورية والحاجية التي تقصد إلى:
أ- إعادة شكل أعضاء الجسم إلى الحالة التي خُلق الإنسان
عليها...
ب- إزالة العيوب الخِلقية أو الطارئة الناشئة عن الحوادث
والحروق والأمراض... ومنها: إصلاح الأنف إذا كان معوجًا عوجًا يسبب ضررًا تنفسيًّا
أو تشوهًا ظاهرًا فاحشًا».
ثانيًا: الجراحة التجميلية التحسينية المحرمة:
«لا يجوز إجراء جراحة التجميل التحسينية التي لا تتضمن
دوافع طبية علاجية، وتهدف فقط إلى تغيير خلق الله السوي اتباعًا للهوى والرغبات في
تقليد الآخرين، مثل عمليات تغيير شكل الوجه للظهور بمظهر معين، أو تصغير الأنف
لمجرد طلب الحسن وزيادة التجمّل».
فتوى دار الإفتاء المصرية:
نصت في عدة فتاوى موثقة على أنه:
«إذا كان الانحراف في الأنف يسبب عائقًا حركيًّا أو
تنفسيًّا أو يُحدث تشوهًا يخرج به العضو عن أصل الخلقة السوية، فالجراحة جائزة
شرعاً. أما إذا كانت الخلقة عادية ولا يوجد ضرر عضوي أو تشوه يسبب أذى نفسياً
شديداً، فإن تعديل الأنف وتصغيره يدخل في باب تغيير خلق الله المنهي عنه». فتاوى
دار الإفتاء المصرية، المجلد 10، الفتوى رقم 3412.
الأدلة والنقول عن أئمة الفقه القدامى
تستند التفرقة الفقهية إلى أصلين في السنة النبوية
والنقول الشارحة لها:
أ- دليل جواز التداوي وإزالة العيوب: عن عبد
الرحمن بن طرفة: «أنَّ جدَّهُ عَرَفَجَةَ بنَ أسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ
كُلاَبٍ، فَاتَّخَذَ أَنْفاً مِنْ وَرِقٍ، فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ
النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفاً مِنْ ذَهَبٍ» سنن أبي داود، فقد أذن النبي ﷺ
بإجراء استبدال وإصلاح الأنف لإزالة التشوه والضرر، فدل ذلك على أن كل ما كان من
باب إزالة العيب أو التداوي فهو مشروع.
ب- دليل تحريم التغير لمجرد الحسن: عن عبد
الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ
وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ... وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ
اللَّهِ».
قال الإمام النووي الشافعي (ت: 676هـ) في شرحه على صحيح
مسلم: «وَأَمَّا قَوْلُهُ: الْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ فَمَعْنَاهُ يَفْعَلْنَ
ذَلِكَ طَلَبًا لِلْحُسْنِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ
الْمَفْعُولُ لِأَجْلِ الْحُسْنِ، أَمَّا لَوْ احْتَاجَتْ إِلَيْهِ لِعِلاَجٍ أَوْ
عَيْبٍ فِي السِّنِّ وَنَحْوِهِ فَلاَ بَأْسَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ».
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني ت: (852هـ) في فتح
الباري: «وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ لِمُعَالَجَةِ أَلَمٍ أَوْ عَيْبٍ،
فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ... وَالْمَلاَكُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ مُتَوَجِّهٌ
إِلَى مَا كَانَ لِزِيَادَةِ التَّجَمُّلِ دُونَ مَا كَانَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ
أَوْ إِزَالَةِ الْعَيْبِ».
وسُئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت: 421 هـ): عن
عمليات تجميل الأنف بالتحديد، فأجاب: «التجميل نوعان: الأول: تجميل
لإزالة العيب الناتِج عن حادث أو غيره، أو كان عيبًا خِلقيًّا كاعوجاج شديد بالأنف
أو شفة مشقوقة، فهذا لا بأس به؛ لأن النبي ﷺ أذن لعرَفجة بن أسعد لما قُطع أنفه أن
يتخذ أنفًا من ذهب.
الثاني: تجميل
زائد وهو ليس من أجل إزالة العيب بل لزيادة الحسن، فهذا محرم ولا يجوز؛ لأنه من
تغيير خلق الله، والدليل على الفرق قوله ﷺ: المتفلجات للحسن فقيد الحرمة بما كان
لطلب الحسن، أما ما كان لإزالة العيب فجائز».
القواعد الفقهية الحاكمة
قاعدة: «الضَّرَرُ يُزَالُ»
الانحراف الشديد في الأنف الذي يسبب ضيقًا في التنفس أو
تشوهًا ظاهرًا هو "ضرر" يوجب الشرع إزالته بالتدخل الجراحي، فيجوز
للطبيب إجراؤه.
قاعدة: «الأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا»
يُنظر إلى القصد من العملية؛ فإن كان القصد مداواة أو
رفع حرج ونقص خلقي فهو جائز، وإن كان القصد مجرد مجاراة الموضة والتغير للحسن دون
دوافع طبية فهو محرم.
قاعدة: «الحَاجَةُ تَنـْزِلُ مَنـْزِلَةَ الضَّرُورَةِ،
عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً»
إزالة التشوه الفاحش الذي يسبب أذى ونكدًا نفسيًّا
للمريض يُنزَّل منزلة الحاجة المبيحة للجراحة، خلافاً للتجميل العادي الذي لا حاجة
ماسة تدعو إليه.
قاعدة: «الإِعَانَةُ عَلَى المَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ»
مستفادة من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى
الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾؛ وبناءً عليه، يمتنع على الطبيب إجراء أي جراحة تجميلية
تحسينية محرمة، لأن مباشرته للعملية تُعد إعانة وشراكة حقيقية في الوقوع في النهي. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
العمليات التجميلية المعاصرة: رؤية فقهية مقاصدية
العمليات التجميلية.. حقيقتها وحكمها والآثار المترتبة عليها
عمليات التجميل: أنواعها وأحكامها الفقهية