الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
468 - رقم الاستشارة : 4059
08/02/2026
يظن بعض الناس قدرتهم على معرفة الغيب والتنبؤ بما في المستقبل وهذه الإيمان المزعوم منتشر حتى في الغرب مثل أوراق التاروت.. فما قصة هذه الأوراق وإصرار الإنسان على معرفة الغيب؟
أخي الكريم، قصة احتياج الإنسان لمعرفة الغيب قديمة، ولا توجد أمة إلا وكانت هذه الرغبة موجودة، لكن الأديان كان توقظ الإنسان من هذا الوهم، وتنشئ في أعماقه اعتقادًا جازمًا بأن معرفة الغيب لا يعلمها إلا الله تعالى، الذي اختص نفسه سبحانه وتعالى بهذه المعرفة.
هذا الاعتقاد القوي بأن الغيب يختص به الله سبحانه وتعالى، يفتح المجال أمام الطاقات الإنسانية للتعاطي مع الكون والأسباب بإيجابية فاعلة؛ لأن جميع البشر يقفون على خط واحد يتساوون فيه في معرفة المستقبل، فلا مزية منحتها السماء لأحد دون الآخر في هذه المعرفة.
السعى وراء الوهم
لا شك أن السعى لمعرفة الغيب، تكمن في داخله الرغبة في الاستحواذ على القوة والسيطرة؛ لأن المعلومة في حد ذاتها قوة، والاطلاع على ما سيجري في المستقبل من المفترض أن يُنشيء استعدادًا له لتحصيل الخير وتجنب الشرور، ولذلك أحاط الملوك والأمراء أنفسهم بالعرافين والمنجمين، كما لجأ الإنسان إلى الجن سعيًا لتلك المعرفة، وربط الغيب بالنجوم والكواكب، كما ربطها بحركة بعض الحيوانات والمخلوقات التي تعطيه مؤشرًا للخير أو الشر القادم.
كان فقدان الإنسان لليقين في كثير من الأحيان يدفعه للانفتاح على الخرافات، على اعتبار أنها تمنحه فرصة لفهم العالم، ومواجهة أحداث المستقبل، ولهذا كان عالم النفس السويسري الشهير "كارل يونغ" يرى أن "التنجيم يمثل خلاصة كل المعارف النفسية القديمة" فهو يشمل قلق الإنسان الوجودي، والخرافات التي كانت تسيطر على عقله، وطبيعة الطبقات (من الكهنة والسحرة والدجالين... وغيرهم) الذين كانوا يسيطرون على الوعي الإنساني في أهم قضاياه وهي الإيمان بالغيب.
وصل الإيمان بالنجوم في الأوقات المضطربة إلى قطاعات واسعة من المجتمع، فيشير الكاتب البريطاني "برنارد كابس" إلى انتشار ظاهرة التقاويم الفلكية التي كان يظن أنها تساهم في التنبؤ، فيقول: "إنه بحلول عام 1660، كان يُباع ما يقارب 400 ألف تقويم فلكي سنويًّا في إنجلترا، وهو ما يعني أن ثلث الأسر كانت تمتلك نسخة منه، ونظرًا لثقافة تبادل الأدب والقراءة بصوت عالٍ في القرن السابع عشر، انتشرت معرفة علم التنجيم على نطاق واسع بين سكان ذلك العصر".
ونشير-مثلاً- في القرن السابع عشر الميلادي إلى منجم مشهور هو "وليام ليلى" أشهر منجمي تلك الفترة، والذي انتقل من كونه خادمًا ليصبح محل ثقة المجتمع في لندن وباريس في تلك الفترة، وكانت استشارته التنجيمية تزيد على الألفين استشارة كل عام، وكان زواره من جميع الطبقات، وكانت الغالبية منهم تريد أن تعرف ما يخبئه الغيب والمستقبل من أحداث.
ما هي التاروت وقصتها؟
"أوراق التاروت" هي مجموعة ألعاب مكونة من (78) ورقة أو بطاقة ذات صور، بقصد التنبؤ بما هو قادم، وهي تشبه في بعض الثقافات العربية ما يسمى بـ"البخت" أو "الطالع" وقد ظهرت في إيطاليا في القرن الخامس عشر الميلادي، ومع القرن الثامن عشر أصبحت ذات صيت واسع للتنبؤ وادعاء معرفة ما هو قادم في المستقبل، ثم تم تطويرها مرة أخرى عام 1909م وإمدادها برسوم توضيحية جديدة، وهي تنقسم إلى مجموعتين، الأولى: وتضم (22) بطاقة وتسمى "الأركانا الكبرى" وهي تختص بالقضايا الكونية الكبرى، والثانية: "الأركانا الصغرى" وتضم (56) بطاقة وهي تختص بالأحداث اليومية، وتلك مقسمة على أربع مجموعات.
تحولت "التاروت" من كونها لعبة لتصبح معتقدًا، مع الاهتمام بما كان يسمى حينها "العلوم الخفية" حيث توهم البعض أنها قادرة على رسم مسار لمعرفة المستقبل، خاصة بعدما نشر الباحث الفرنسي "إليفاس ليفي" عام 1861م كتابه "عقيدة وطقوس السحر العالي" فتحولت التاروت إلى ما يشبه "العقيدة الباطنية" وتحولت من كونها لعبة مسلية، لتصبح معتقدًا خفيًّا يبحث عن معرفة الغيب والمستقبل.
يدعي من يروجون لتلك الأوراق، بأنها تساهم في التأمل، لكنها تعتمد على بعض أعمال التنجيم، وكذلك علم الأعداد أو ما يسمى بـ"حساب الجُمل" (وهو طريقة لتسجيل صور الأرقام والتواريخ باستخدام الحروف الأبجدية؛ إذ يُعطى كل حرف رقمًا معينًا يدل عليه، ومن تشكيل هذه الحروف ومجموع تلك الأرقام كانوا يزعمون معرفة المستقبل).
ويلاحظ -أخي الكريم- وجود محاولات لإحياء "التاروت" بأشكال جديدة، لكن الحقيقة الكامنة وراء ذلك هي فجوة اليقين التي يعاني منها الإنسان المعاصر، وحالة القلق الوجودي الممسكة بخياله ويقظته، وعدم قدرته عن الإفلات من سؤال المعنى الذي يلح عليه كل حين.
موضوعات ذات صلة:
حكم استخدام أوراق (التاروت) والتفسير الرمزي للغيب
لماذا يعادي الفكر المادي مفهوم الغيب؟
لماذا يلجأ المرضى إلى الخرافة؟