ما هو الإجهاد العقلي وكيف نتغلب عليه؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 335
  • رقم الاستشارة : 3755
05/01/2026

هناك حديث عما يسمى إجهاد العقل، فهل فعلا العقل يتعرض لنوع من الإجهاد، وما هي أسباب هذا الإجهاد، وكيف نتقيه بما يسمح للعقل للقيام بوظائفه وأدواره؟

الإجابة 05/01/2026

أخي الكريم، نمط الحياة الحديثة ذو إرهاق شديدة على المستوى النفسي والجسدي والعقلي، فتسارع الحياة، وتعدد حاجات الإنسان وتنوعها، وكثرة المقارنات مع الآخرين، وتراجع منظومات القيم الجيدة لصالح المعايير المادية، وكثرة التلوث بمختلف أشكاله، كل ذلك كان لها تأثيره غير الإيجابي على الإنسان.

 

الضغوط المستمرة

 

وهنا يأتي الإجهاد العقلي أو الذهني ليكون سمة هذ العصر، وهو إجهاد يصيب العقل بدلاً من العضلات، وهو أحد الأعراض والنتائج السلبية لنمط الحياة الحديث، هو نتاج لإجهاد طويل الأمد، عندما يتعامل الشخص مع أشياء تحفز الجسد على إفراز هرمونات معينة تتعلق بالتوتر وبذل الجهد، وهو ما يؤثر على الوظائف الطبيعية للجسم، فينعكس ذلك في إرهاق عقلي فتزيد حالة التوتر والتشاؤم ومشاعر اللامبالاة وضعف التركيز والشعور بالعجز واضطرابات النوم، وتكون الأعراض السابقة مصحوبة بالتشتت والاكتئاب وقد تصل إلى التفكير في الانتحار.

 

ويجب أن تنتبه أخي الكريم إلى أن: هذا الإرهاق هو حالة تتجاوز الشعور بالتعب، إنه إجهاد اتخاذ القرارات والضغوط العاطفية الزائدة، بل والاستنزاف بسبب تجاوز الحدود القصوى في بذل المجهود أو تحمل الضغوط، دون الحصول على القدر الكافي من الراحة أو الاسترخاء، وأمام تلك الحالة يقوم العقل الإنساني بما يشبه الاعتراض على هذا الضغوط المتواصلة والكبيرة والممتدة من خلال إبداء بعض الاضطرابات كالقلق أو قلة النوم لتنبيه الإنسان بضرورة أخذ قسط من الراحة وتخفيف تلك الضغوط والأعباء.

 

ويلاحظ أخي الكريم أن هناك الكثير من الناس يعاني من هذا الاضطراب، وتشير الأبحاث إلى أن الإرهاق الذهني قد يُسهم في ظهور حالات مثل القلق والاكتئاب، والأفكار الانتحارية، وغالبًا دون أن يدرك الشخص أن تلك الاضطرابات ناتجة عن هذا الإجهاد.

 

 أما أسباب هذا الإرهاق الذهني، فهي متنوعة، مثل: تعدد المهام التي يقوم بها الشخص، أو تقديم الرعاية الصحية لأحد أفراد الأسرة -مثلاً– مدة طويلة مما يؤثر على النوم، أو الانغماس في بيئات العمل ذات الضغط الكبير، أو الصدمات النفسية الحادة، أو السعي وراء الأحلام بالتفوق والمثالية، فتلك حالة تبقى العقل في حالة إجهاد متواصل.

 

تشير الدراسات الحديثة إلى تزايد انتشار الإرهاق النفسي بين الشباب، مع ذروة ملحوظة في سن الخامسة والعشرين تقريبًا، ففي دراسة أمريكية نشرت عام 2025 ذكرت أن ربع الأمريكيين يعانون من الإرهاق الذهني، وتبلغ ذروته بين الشباب في سن الخامسة والعشرين.

 

وقالت الدراسة إن "جيل زد"، وهو الجيل الذي نشأ مع الإنترنت، والبالغين من جيل الألفية، الذين تتراوح أعمارهم الآن بين 18 و 44 عامًا، فإن أعلى نقطة من التوتر لديهم تحدث في سن أصغر – بمتوسط ​​25 عامًا، أما أسباب هذا الإجهاد، فتعود إلى نمط الحياة الحديثة بكل أركانها، فشكل ضغط العمل بالنسبة لجيل زد 33%، والأمور المالية 27%، وكانت حياتهم الاجتماعية حوالي 12%، وهي نسبة تعبر عن ضعف تعلقهم بالأسرة والعائلة.

 

كيف نتغلب هذا الإجهاد؟

 

الحقيقة أن التغلب على هذا الإجهاد الذهني، يأتي من خلال إعادة صياغة التصورات الذهنية لتخفيف الأعباء النفسية عن كاهل الإنسان، وتخفيض الضغوط التي يحملها على ظهره، والموازنة بين الراحة والمجهود، وهناك الكثير من النصائح في الطب النفسي والصحة النفسية للخروج من هذا المأزق.

 

لـــكن أخي الكريم تظل الطمأنينة واليقين الذي يوجده الدين في أعماق الإنسان هو المخرج الكبير لهذا الإجهاد، فالقرآن الكريم يصرح بأن الله تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}، فلماذا يرهق الإنسان نفسه بما لم يُؤت؟! وبما لم تكلف، وبما لا يعنيه ولا يُطيقه؟!

 

وهنا أتذكر مقولة الصحابي الجليل سلمان الفارسي، لأخيه "أبو الدرداء"-رضي الله عنهما- الذي كان يبذل جهدًا كبيرًا في العبادة، وانعكس هذا على صحته وعلاقته بأهله، فقال له سلمان: "إنَّ لنَفْسِكَ عليكَ حقًّا، ولِرَبِّكَ عليكَ حقًّا، ولِضَيْفِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لِأهلِكَ عليكَ حقًّا؛ فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ".

 

الإنسان لا بد أن يتأمل حقيقة الحياة جيدًا، وأن الأزمات مهما عظمت فإنها ستنتهي، وكما يقول ابن القيم-رحمه الله-: "إنّ للمحنِ آجالاً وأعمارًا كأعمار ابن آدم؛ لا بدّ أن تنتهي".

 

وهنا أتذكر مقولة لجلال الدين الرومي، حول ضرورة إعانة المأزومين نفسيًّا وروحيًّا وترميم خللهم، فيقول: "طوبى لمن وجد جدار الروح ينقض فأقامه ولم يتخذ عليه أجرًا".

 

موضوعات ذات صلة:

هل جيل Z أكثر إلحادًا؟

لماذا انتشرت عقلية الاستسهال بين الشباب؟

الضحالة الفكرية لماذا انتشرت بين الشباب؟

اغتراب الشباب لماذا أصبح أكثر انتشارًا؟

لماذا يبدو الكثير من الشباب أقل سعادة؟

الرابط المختصر :