الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
302 - رقم الاستشارة : 4363
12/03/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
انتشر على مواقع التواصل أن من السنن في العشر الأواخر من رمضان الاغتسال بين المغرب والعشاء أو الاغتسال في كل ليلة من ليالي العشر، وأن هذا من السنن التي كان يفعلها السلف تعظيمًا لليالي العشر وطلبًا لليلة القدر، وقد استُدل على ذلك ببعض الآثار المنقولة عن عدد من السلف، وبما ذكره الإمام ابن رجب الحنبلي في كتاب لطائف المعارف من أن جماعة من السلف كانوا يستحبون الاغتسال في هذه الليالي، ويتطيبون ويلبسون أحسن الثياب استعدادًا للعبادة.
وسؤالي: هل ثبت عن النبي ﷺ حديث صحيح يدل على استحباب الاغتسال في ليالي العشر الأواخر من رمضان أو بين المغرب والعشاء تحديدًا؟
وهل يُعد هذا الفعل سنة نبوية ثابتة، أم هو من الأعمال الحسنة المأثورة عن بعض السلف التي يفعلها المسلم على سبيل الاستحباب والاستعداد للعبادة؟
كما نرجو بيان الحكم الشرعي في نشر هذه النصائح ووصْفها بأنها "سنة متروكة"، وهل هذا التعبير دقيق من الناحية الشرعية؟ وجزاكم الله خيرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،
فبارك الله فيكم أخانا السائل الكريم، وزادكم حرصًا وجزاك الله خيرًا على تحريك الدقة في نسبة الأقوال والأفعال للسنة النبوية، فهذا من تعظيم شعائر الله.
القاعدة الفقهية "أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال"، وقد ورد حديث وإن كان ضعيفًا، إلا أنه لا بأس من العمل به، خاصة أن الطهارة والغسل عملان مسنونان في الأصل، ومستحبان، وواردان عن المعصوم ﷺ.
واختصارًا نقول وبالله التوفيق: الاغتسال في ليالي العشر الأواخر (خاصة بين المغرب والعشاء كما كان يفعل بعض السلف) هو أمر مستحسن ومرغب فيه من باب النظافة والنشاط وتعظيم وقت العبادة، وهو فعل مأثور عن كبار التابعين، لكنه ليس "سنة نبوية ثابتة" بنص خاص عن النبي ﷺ. لذا يُشرع فعله دون اعتقاد وجوبه أو نسبته للرسول ﷺ بحديث صحيح.
1. هل ثبت في ذلك حديث صحيح مرفوع عن النبي ﷺ؟
من الناحية الحديثية المحضة، لا يوجد حديث صحيح مرفوع عن النبي ﷺ ينص على استحباب الاغتسال "بين المغرب والعشاء" أو "في كل ليلة" من ليالي العشر الأواخر بخصوصها.
الثابت عن النبي ﷺ في العشر الأواخر هو الاجتهاد في العبادة، وشد المئزر، وإحياء الليل، وإيقاظ الأهل، والاعتكاف.
أما الاغتسال، فلم يروَ فيه إلا أحاديث ضعيفة جدًّا لا تقوم بها حجة، كحديث عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله ﷺ إذا كان رمضان نام واستيقظ، فإذا دخل العشر شد المئزر واجتنب النساء واغتسل بين الأذانين"، وهذا الحديث ضعفه الأئمة كالإمام المزي وابن رجب نفسه.
2. فعل السلف والآثار المنقولة عنهم
ما ذكرتَه عن الإمام ابن رجب في كتابه (لطائف المعارف) دقيق، فقد نقل استحباب ذلك عن جماعة من التابعين ومن بعدهم.
من آثار السلف: نُقل عن النخعي وأيوب السختياني وحميد الطويل وغيرهم أنهم كانوا يغتسلون في ليالي العشر، ومنهم من كان يغتسل في كل ليلة، ومنهم من يغتسل في الليالي الأوتار (المتوقع فيها ليلة القدر).
وكان السلف يفعلون ذلك تعظيمًا لليلة القدر، وطلبًا للنشاط في العبادة، وتشبهًا بالملائكة التي تنزل في تلك الليالي بالطيب والريح الطيبة، وقياسًا على الجمعة والعيدين اللذين يُستحب لهما الغسل والزينة.
3. هل يُعد سنة نبوية أم عملاً مأثورًا؟
الفرق هنا دقيق جدًّا فالسنة هي ما ثبت عن النبي ﷺ قولاً أو فعلاً أو تقريراً، وهذا لم يثبت بالمعنى الخاص (أي غسل ليالي العشر).
أما المستحب المأثور فهو الفعل الذي استحبه العلماء أو فعله السلف لوجود أصل شرعي عام يندرج تحته (مثل نظافة المصلي وتطيبه لمناجاة ربه)، وهذا هو الوصف الأدق لفعل الاغتسال في العشر الأواخر.
4. حكم وصفها بأنها "سنة متروكة" ونشرها بهذا الوصف
استخدام مصطلح "سنة متروكة" في هذا السياق فيه عدم دقة علمية: فإطلاق لفظ "السنة" يوهم العامّة بأن النبي ﷺ هو من شرع هذا الغسل بخصوصه، وهذا قد يدخل في باب نسبة ما لم يثبت إليه ﷺ.
التعبير الأصح أن نقول "من هدي السلف" أو "من المستحبات المأثورة" أو "مما استحبه أهل العلم".
ولا حرج في نشر ذلك وتشجيع الناس على الاغتسال والتطيب للتنشط للقيام والتهجد، فهذا أمر حسن وموافق لمقاصد الشرع في تعظيم شعائر الله، لكن دون نسبته للسنة النبوية المباشرة.
روابط ذات صلة:
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان