الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : المراهقون
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
328 - رقم الاستشارة : 3255
10/11/2025
السلام عليكم دكتورتي طنط أميمة،
أولا أنا أحبك في الله، وكنت أتمنى أن تكوني أمي..
أنا فتاة بالثانوية العامة في السابعة عشرة من عمري، أكتب إليك لأني لم أعد أحتمل ما أسمعه كل يوم من حولي، رغم أني لا أفعل شيئًا سوى أني اخترت الحجاب طاعةً لله ورضًا عنه.
منذ عام تقريبًا، قررت أن أرتدي الحجاب عن قناعة تامة، بعد رحلة بحث طويلة في الدين وقراءة وتأمل. شعرت بعدها براحة وطمأنينة لا أستطيع وصفها، وكأن شيئًا في قلبي استقر بعد اضطراب. لكن منذ ذلك اليوم، انقلبت حياتي للأسف!
والدتي لم تُخفِ انزعاجها، وقالت لي بالحرف: "لسه بدري عليكي، الناس كلها بتخلعه وانتي داخلة فيه!"، وأخواتي يسخرن مني في كل مناسبة، يقلن إن شكلي تغيّر وإن الحجاب "كبّرني"، بل أحيانًا يتهكمن عليّ أمام الضيوف أو على مواقع التواصل.
حتى صديقاتي في المدرسة تغيّر تعامل بعضهن معي، يلمحن بكلمات مؤذية، مثل أني "متزمتة" أو "متحجرة"، أو أني أريد أن أظهر نفسي ملاكًا بينهن!
أحاول أن أتماسك، لكني أحيانًا أنهار وأبكي ليلًا، خاصة حين أسمع تعليقات جارحة من أقرب الناس إليّ.
صرت أتساءل: هل أنا المخطئة؟ هل التديّن يُفترض أن يجعلني غريبة حتى داخل بيتي؟
أحيانًا أفكر أن أخلع الحجاب فقط لأرتاح من هذا الضغط، ثم أعود فأبكي وأخاف من الله وأتراجع.
أريد أن أعرف، كيف أتعامل معهم؟ وكيف أستعيد ثقتي بنفسي وأحافظ على حجابي دون أن أعيش في حرب يومية؟
أحتاج دعمًا نفسيًا وتربويًا منكِ يا دكتورتنا، لأنني حقًا أشعر أنني وحيدة في هذا الطريق.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
ابنتي الغالية، أحبك الله الذي أحببتني فيه، بالطبع يشرفني حبيبتي أن تكوني ابنتي، وسلامٌ لقلبك الطاهر الذي اختار طريق الطاعة بثقة وإخلاص رغم العواصف من حوله.
لقد لمست في رسالتك صدقًا وإيمانًا رقيقًا، وصراعًا داخليًّا يعيشه كثير من الفتيات الملتزمات في سنك، حين يصبحن غريبات في بيئتهن، لا لشيء إلا لأنهن تمسكن بما أمر الله به.
واعلمي -يا حبيبتي- أن هذه الغربة عبادة في حد ذاتها، قال النبي ﷺ: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا فطوبى للغرباء»، فأنت لست وحدك، بل أنتِ من هؤلاء الذين طوبى لهم.
الصراع القيمي
أولًا: ما تمرين به يُسمّى في علم النفس التربوي الصراع القيمي (Value Conflict)، وهو التوتر الذي ينشأ حين تتصادم قناعات الفرد مع البيئة المحيطة به.
لكن الجميل في حالتك أن هذا الصراع نابع من تمسكك بقيمة عليا، وهي "الالتزام الديني"؛ ما يعزز عندك الهوية الذاتية المستقرة (Stable Self-Identity)، وهذه سمة نضج فكري وروحي.
احذري من أن تؤدي الضغوط الاجتماعية إلى ما يُعرف بـ التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance)، أي أن تشعري بالذنب والاضطراب لأنك لا تستطيعين التوفيق بين إيمانك ومجتمعك.
الحل هنا هو أن تثبّتي وعيك بذاتك المستقلة، وتذكّري أن قبول الآخرين ليس شرطًا للسعادة؛ فالسعادة الحقيقية تنبع من التكامل والنزاهة الذاتية (Self-Integrity)، أي انسجام السلوك مع القيم.
الحجاب عبادة
ثانيًا: اعلمي يا ابنتي، أن الحجاب عبادة وليس مظهرًا، ومن لبسته عن قناعة لا يزيدها السخرية إلا ثباتًا.
قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.. فلم يقل "كما يُعجب الناس"، فاستقامتك مرهونة بأمرك الإلهي لا بقبول المجتمع.
ولتعلمي أن الابتلاء سنة الله في أهل الإيمان، قال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. فما تتعرضين له اختبارٌ لصِدقك، وكلما صبرتِ، رفعك الله درجات.
التهديد القيمي
ثالثًا: بالنسبة لأسرتك، والدتك وأخواتك فعداؤهن ليس شخصيًّا، بل يشعرن بما يُعرف بـ التهديد القيمي (Value Threat)؛ أي أن التزامك يوقظ فيهن مشاعر الذنب أو المقارنة، فيحاول العقل الدفاع عن نفسه بالسخرية والاستهانة بالمخالف. وهذا ليس كرهًا لك، بل هو رد فعل نفسي غير واعٍ.
لذا، قابلي سخريتهن بالهدوء، وابتسمي، وادعي لهن بالهداية دون مناقشة حادة. فالمجادلة لا تغيّر القلوب للأفضل، لكن اللين والقدوة الحسنة يفعلان ذلك.
توصيات عملية
رابعًا: توصياتي العملية لك:
1- اجعلي نيتك واضحة.. قولي لنفسك: أرتدي حجابي لوجه الله فقط.
2- ثبّتي وعيك الذاتي.. وذلك عبر كتابة "يوميات الامتنان"، سجّلي فيها نعم الله وثباتك على الحق.
3- اختاري صحبة صالحة تُشعرك بالقبول والدفء.. فالدعم الاجتماعي الإيجابي (Positive Social Support) يعزز الصمود النفسي.
4- افعلي هكذا حين تسمعين كلمة مؤذية.. خذي نفسًا عميقًا ورددي: "اللهم اجعلني من الذين هديتهم فزدني هدى وثبتني على دينك".
5- استعيني بالعبادات التي تُغذي طمأنينتك، مثل.. القرآن، الدعاء، والذكر، فهي سر الاستقرار الانفعالي والسلام النفسي والطمأنينة.
وأخيرًا يا زهرتي، لا تسمحي لأحد أن يُطفئ نورك، فإن الحجاب ليس قيدًا بل راية، ولا يعني الانغلاق بل الارتقاء.
قالت إحدى الصالحات: "ما خذلتني طاعةٌ لله قط، وإن خذلتني نفسي ألف مرة"؛ فكوني واثقة أن الله معك، يؤنسك، ويهديك، ويقويك، حتى يأتي يوم تُصبحين فيه أنتِ قدوةً لوالدتك وأخواتك دون جدال بإذن الله.
همسة أخيرة:
ثباتك على الحق رغم الرفض هو قمة النضج النفسي والديني، وما تمرين به ليس ضعفًا بل دليل قوة داخلية واستقلالية إيمانية نادرة في عمرك. فامضي يا غالية، وثقي أن الله تعالى لا يضيع من اختاره.
روابط ذات صلة:
حجابي في العمل بين الثبات وضغوط الآخرين