الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
198 - رقم الاستشارة : 4170
22/02/2026
هل الرغبة الاستهلاكية المفرطة التي ينزع إليها البعض في رمضان هي ضد روح رمضان وتعبر عن تعمق المادية في السلوك؟
أخي الكريم، إحدى العقبات الكبرى التي تواجه الإنسان المعاصر هي الروح الاستهلاكية المفرطة، التي لم تعد تقتصر على مجال محدد، ولكن تعدت ذلك إلى الكثير من المجالات بما فيها المجال الديني، فبات الاستهلاك ملازمًا لبعض الشعائر، وهذا ليست مقتصرًا على الجانب الإسلامي، ولكن هو ظاهرة عامة؛ فالاستهلاك أصبح سمة لهذا الإنسان بعدما رأى في الاستهلاك أنه الوجه الآخر للتقدير واكتساب الاحترام وتحقيق الذات.
الشعائر والاستهلاك
أخي الكريم، يلاحظ أنه عندما تتراجع حقيقة الدين، يتم إيجاد صلات بين شعائر الدين وكثير من الأمور البعيدة عن روح الدين وغاياته، فنجد -مثلا- أن الشعائر تقترن بالاستهلاك، فتتحول الشعائر إلى حالة إمتاع للجسد وإمداده بما يستلذ من الطعام أو الملابس، أما الروح فتتوارى أمام تلك النزعة الاستهلاكية.
وقد أجريت بعض الدراسات عن العلاقة بين الدين وسلوك المستهلكين، وذهبت أن "التقديس" انتقل للاستهلاك عند البعض، رغم أن الدين يقدم للمؤمنين قيمًا معيارية حول ما يستهلكونه مصدرًا ونوعًا وكمية وتوقيتًا، كما أن الشعائر تستهدف ضبط الروح الاستهلاكية وأن يمتلك الفرد قدرة على امتلاك إرادته وتنظيم استهلاكه، وغالبًا ما تشير التعاليم في كثير من الأديان إلى إلجام تلك النزعة المادية نحو الاستهلاك سعيًا لتحقيق حضور روحي وتقوية للإرادة.
ومن ناحية أخرى فإن العلاقة بين الشعائر وأنماط الاستهلاك ذات تأثير على التماسك داخل المجتمع، فبعض الشعائر -ومن بينها الصيام- يخلق حالة تراحمية داخل المجتمع من خلال تنمية التراحم والتعاطف، لكن إذا تحول الاستهلاك إلى إفراط ونوع من الاستفزاز مقابل تقتير في المساندة الاجتماعية لغير القادرين، فإن تلك النزعة الاستهلاكية أثناء تأدية الشعائر تضعف التماسك الاجتماعي، وتخلق بيئة لنمو الأحقاد والضغائن؛ لأن النزعة الاستهلاكية المفرطة غالبًا ما تكون مقرونة بالانعزالية وكثرة الإهدار والإسراف المبالغ فيه، في مقابل التقتير الشديد في الدور الاجتماعي التراحمي.
الاستهلاك والسعادة
في كتابه "ثقافة الاستهلاك: الاستهلاك والحضارة والسعي وراء السعادة" للكاتب الأمريكي "روجر روزنبلات" توضيح لطبيعة الروح الاستهلاكية المعاصرة، حيث تحولت الرغبة الاستهلاكية إلى أهم محرك للاقتصاد في العالم، بعدما تم إيجاد علاقة سببية بين الاستهلاك والسعادة، فتحول الاستهلاك إلى بنية نفسية واجتماعية وليس ذا وجه اقتصادي فقط، وأصبح الإنسان مسكونًا بالاستهلاك حتى في أحلامه وتخيلاته.
والحقيقة أن الروح الاستهلاكية ما هي إلا نزعة مادية متغلغلة، ولا شك أن الصيام يقاوم تلك النزعة المادية، وينبه الإنسان إلى قواه الروحية التي يجب ألا يغفلها تحت وطأة الشره للاستهلاك.
ومن سمات النزعة الاستهلاكية الرغبة في الانعزال، فالمادية لا تعترف بالمعروف إلا في إطار المنفعة والربح، وهي رغبة مادية يرفضها الصيام الذي يحث المسلم على الانفتاح وقمع المادية الانعزالية في ذاته، وأن يتحول في هذا الشهر إلى الإحسان ومساعدة غير القادرين، وصلة الأرحام، حتى زكاة الفطر في نهاية الشهر هي انعتاق للمسلم من الانعزالية التي تفرضها الاستهلاكية المفرطة.
أخي الكريم، يُلاحظ في النزعة الاستهلاكية أن الإنسان الخاضع للاستهلاك يعرف نفسه من خلال الاستهلاك، ونوعية وكمية ما يستهلكه ويظن أن ذلك هو ما يحقق إنسانيته ومكانته، وهذا اتجاه يرفضه الصيام ويحاربه؛ لأن النزعة الروحانية التي ينشئها الصيام الحقيقي في النفس تعلن بوضوح أن الغاية من الصوم هي التقوى وليس التخمة، وأن التنافس الرمضاني ليس ماديًّا استهلاكيًّا ولكنه تنافس في فعل الخيرات من شعائر وأفعال بر وامتناع عن معاصي، وتنقية للذات من شوائبها.
النزعة الاستهلاكية المادية ترى في الاستهلاك هو طريق السعادة؛ لذا على الإنسان أن يستهلك ما يحتاجه وما يفوق احتياجه وما لا يدخل في نطاق قدرته أو حاجته، فتناول الطعام ليس من أجل سد الجوع أو وصولاً إلى الشبع، ولكنه ميدان للتفاخر حتى أمام الذات، وتحقيق سعادة موهومة بإطفاء رغبة لا تريد أن تنطفئ، وهي رغبة النفس التي لا تشبع وليس رغبة المعدة ذات الحيز المحدود.
أخي الكريم، مع المادية لا يتحقق الرضا حتى مع الاستهلاك، أما الصيام فإنه يحرر الإنسان من الخضوع لأي شيء حتى ولو كان الطعام والشراب الذي يحافظ على حياته ووجوده؛ لأن الغاية هي امتلاك الإرادة وليس ملء المعدة، وتلك فلسفة للتحرر من المادية ووجهها الاستهلاكي.
موضوعات ذات صلة:
رمضان والنزعة الاستهلاكية.. احترس من المادية
كيف تؤثر الشعائر الدينية في بناء الهوية؟
لماذا تنجذب المرأة لهوس الاستهلاك المفرط؟