هل تؤثر الغربة في بناء الهوية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : فكر معاصر
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 55
  • رقم الاستشارة : 5325
15/07/2026

هل تؤثر الغربة في بناء الهوية إيجابا وسلبا ؟ ولماذا يحدث هذا التأثير ؟ وهل بالضرورة هو تأثير ضار غير إيجابي؟

الإجابة 15/07/2026

أخي الكريم، لا شك أن للغربة والهجرة تأثيرها في بناء وتشكيل الهوية، وليس بالضرورة أن يكون هذا التأثير سلبيًّا أو ضارًّا، ففي حالات يكون التأثير إيجابيًّا، إذ يسمح للشخص بتقييم أفكاره ومعتقداته ومقارنتها بالآخرين، وليس بالضرورة أن تكون نتائج المقارنة هي التخلي عن الهوية، فقد يكون من عوامل تطويرها وتقويتها والتمسك بها.

 

الهجرة وتوترات بالهوية

 

أخي الكريم، الإنسان كائن اجتماعي بفطرته، يتأثر بالبيئة المحيطة به، ولا شك أن الهجرة والغربة تؤثر فيه بدرجة أو بأخرى، وقد تؤدي إلى تحولات جذرية في هويته وشخصيته وتفضيلاته، وقد يكون التأثير محدودًا، ولعل ذلك يرجع إلى قوة حضور الهوية في ذات الشخص، وقوة الهوية في المجتمع الذي انتقل للهجرة إليه، وكلا الأمرين في تفاعل، لكن نتائج التفاعل تختلف بحسب الأشخاص وأعمارهم وصفاتهم، وطبيعة المجتمعات والثقافة التي رحلوا، وطبيعة المجتمعات والثقافة التي انتقلوا إليها.

 

أخي الكريم، الهجرة تؤدي في كثير من الأحيان إلى ارتباك في المشاعر، وهو ما ينعكس على الهوية، فالإنسان في الغالب يميل إلى ما يألفه، ويشعر بتوتر إذا فقد ذلك الأمر، والهوية التي تجيب على سؤال "من أنا؟" وتلك الإجابة وثيقة الارتباط بالثقافة بمفهومها الشامل من عادات وقيم وتقاليد ونمط حياة.

 

تؤكد دراسة نشرت عام 2025 بعنوان "التفاعل بين الهجرة والهوية الذاتية" أن المهاجرين يواجهون حالة من عدم اليقين، وهو ما يستلزم منهم التكيف وإعادة هيكلة شبكاتهم الاجتماعية، ولهذا فالهجرة محفز على إعادة التفكير في الهوية وإعادة التفاوض بشأنها، وهي تفاعل بين كيفية رؤيتنا لأنفسنا، أي تمثيل الذات، وكيفية رؤية الآخرين لتلك الذات، خاصة أن المهاجر في بداياته يعاني من فقدانه لشبكاته الاجتماعية الداعمة له، إضافة إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها في المجتمع الجديد والتي تفرض عليه التكيف فرضًا.

 

ومن المشكلات التي تقابلها الهويات في الهجرة، الصور الذهنية والنمطية، وهذه الصورة قد يمتلكها الشخص المهاجر عن المجتمع الذي نزل إليه، وكذلك قد يمتلكها المجتمع عن الشخص الوافد إليه، وتتعمق أزمة الهوية إذا كانت تلك الصور النمطية سلبية لكل طرف عن الآخر، إذ تقود إلى حالة من سوء المعاملة والتمييز وربما تطور الأمر إلى العنصرية والاضطهاد.

 

كذلك من توترات الهوية في المهجر اختلاف القيم والمعايير خاصة إذا تعلق الأمر بالقضايا الأخلاقية، فهناك هويات تحدد القيم الدينية معاييرها بصورة واضحة وحازمة خاصة في العلاقة بين الرجال والنساء، وهناك مجتمعات لا تتوفر فيها مثل هذه القيم الضابطة؛ بل تراها قيمًا تصادر الحرية الشخصية، وفي ظل هذا الاختلاف بين المعايير، تعاني الهويات من توتر في المهجر.

 

تراجع الانتماء من المشكلات التي تواجهها الهوية في المهجر، حيث يذوب المهاجر في ثقافة المجتمع الجديدة وينسى هويته الأساسية، ولعل ذلك يتضح من تصريحات بعض الشخصيات التي هاجرت من مجتمعات العالم الثالث إلى الغرب، وتشبعت بثقافته، فتغير خطابها إلى معاداة الهجرة، ونسي هؤلاء أنهم في الأصل أبناء مهاجرين، لكن ذابت هويتهم وتلاشت، ومن نماذج ذلك وزيرة الداخلية البريطانية سابقًا "سويلا برافرمان" التي ولدت في بريطانيا عام 1980 من أبوين مهاجرين في الستينيات من كينيا وموريشيوس، ورغم ذلك تعد من أشد المطالبين بتقييد الهجرة لبريطانيا.

 

ومن أصعب توترات الهوية في المهجر، أن يفقد المهاجر هويته الذاتية، ولا يمتلك القدرة والاستطاعة على الاندماج في الهوية الجديدة، فيعيش أزمة نفسية عميقة؛ فالهوية في الأساس مفهوم جماعي وليس فرديًّا، أي أن الفرد يشعر بانتماء إلى مجتمع ما، وهذا الفقد للهوية في المهجر من عوائق التواصل الاجتماعي والإنساني، إذ يفرض الإنسان على نفسه عزلة مؤلمة قد تؤدي به إلى الاكتئاب أو الجريمة.

 

وختاما أخي الكريم، التفاعل الصحي في عالم المهجر، والحفاظ على الهوية من الذوبان، وتفهم المجتمع الجديد، والبحث عن مجالات للتكيف الآمن يقود إلى انفتاح هوياتي بين الذات ومجتمع المهجر، انفتاح يحول دون الذوبان والتلاشي، ويشطب العزلة من قائمة اختيارات الفرد للتفاعل مع المجتمع الجديد.

 

 

موضوعات ذات صلة:

كيف نصنع الهوية الإسلامية للأجيال الناشئة في بيئات الاغتراب؟

كيف تؤثر الشعائر الدينية في بناء الهوية؟

حماية الهوية في عصر الرقمية

ما مفهوم التسامح؟ وهل نحتاج إليه؟

ماذا نقصد بالتطبيع الحضاري؟

الرابط المختصر :