الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
351 - رقم الاستشارة : 4318
31/03/2026
يُتداول في بعض الأوساط الإعلامية والدينية حديثٌ عن أن بعض التيارات الدينية اليهودية تؤمن بضرورة القيام بخطوات معينة لتهيئة الظروف لظهور المسيح المنتظر، وقد نُسبت تصريحات أو مواقف في هذا السياق إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عند حديثه مع بعض الحاخامات حول ما يُفعل لتعجيل ظهوره.
وفي الوقت نفسه يرى بعض المحللين أن سياسات بعض القادة الدوليين، مثل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، قد تلاقت في مراحل معينة مع توجهات دينية أو عقائدية لدى تيارات يهودية أو مسيحية إنجيلية تتعلق بأحداث آخر الزمان، خاصة في ما يتصل بالقدس والصراع في الشرق الأوسط.
في ضوء ذلك نرجو منكم توضيح ما يلي: إلى أي مدى يمكن القول إن بعض القرارات أو السياسات في المنطقة تتأثر فعلًا بعقائد دينية تتعلق بظهور المسيح المنتظر في الفكر اليهودي؟
هل هناك بالفعل تيارات سياسية فاعلة تحاول تسريع أحداث تاريخية أو جيوسياسية باعتبارها تمهيدًا لظهور هذه الشخصية الدينية؟
ما مدى صحة الربط الذي يطرحه بعض المحللين بين هذه الأفكار وبين الصراعات الإقليمية مثل التوترات أو الحروب مع إيران؟
كيف يمكن للباحث أو القارئ التمييز بين التحليل العلمي الجاد وبين المبالغات أو نظريات المؤامرة في هذا النوع من القضايا؟ نرجو منكم تقديم قراءة تحليلية ناقدة تساعد على فهم العلاقة بين الدين والسياسة والاستراتيجيات الدولية في هذه المسائل.
أخي الكريم، مشهد إحاطة مجموعة من القساوسة بالرئيس الأمريكي "ترامب" في مكتبه البيضاوي بالبيت الأبيض، والدعاء له أن يلهمه الحكمة الإلهية في حربه الحالية، ومطالبة "ترامب" بفتح دور العبادة مرة أخرى أمام الأمريكيين، وكذلك مشاهدة التعويذات التي بثتها "باولا وايت" المرشدة الروحية لـ"ترامب" والتي تدعوه وتكرر عبارة "اضرب حتى يتحقق النصر.. إن الرب يقول إن الأمر قد تم"، كل ذلك يثير تساؤلات حول العلاقة بين النبوءة والسياسة.
تأثير النبوءة في السياسة
أخي الكريم، النبوءة الدينية حاضرة في السياسة بقوة، ولها تأثيرها المعترف به في السياسة الدولية، وبخاصة في إدارة الرئيس الأمريكي الحالي "ترامب"، فهذا الرئيس دائم الاستخدام لإشارات ذات أبعاد دينية لها ارتباط بنبوءات توراتية، ومنذ ولايته الأولى وبعض مؤيديه يشبهه بالنبي "داود" وبخاصة المسيحيون الإنجيليون الذي يشكلون -حسب صحيفة لموند الفرنسية- 20% من الأمريكيين، ولذلك كانت نداءات بعض مؤيديه أثناء حملته الانتخابية تستخدم خطابًا دينيًّا يتعلق بنبوءات نهاية العالم، وهي نبوءات متأثرة بالتراث اليهودي.
في كتاب الباحث "جويل شناب" بعنوان "الأزمات ونهاية العالم في القرن الحادي والعشرين" الصادر عام 2023م باللغة الفرنسية ذكر أن خطاب ترامب إلى المسيحيين في منطقة "ويست بالم بيتش" وهي منطقة في ولاية فلوريدا، يمكن إدراجه ضمن التقاليد الإنجيلية التي تطورت منذ أواخر القرن التاسع عشر، عقب الخطاب اللاهوتي لـ"ويليام إي. بلاكستون" المتوفى (1935م) الذي نشر عام 1879م كتابه "يسوع قادم" الذي حقق مبيعات ضخمة للغاية أثناء حملة ترامب الانتخابية، حيث ألمح "ترامب" في خطابه أن "عودة يسوع باتت وشيكة".
الغريب أن بعض أصدقاء "ترامب" وهو "ديفيد ريم" وهو أحد كبار المؤيدين له في حملته الانتخابية، وصف "ترامب" بأنه "المسيح الدجال"..
أخي الكريم، لا تستغرب من هذا الوصف، فهو في مفهوم الإنجيليين يعني أن ظهور المسيح الدجال ما هو إلا ظهور لـ "يسوع" أو المسيح لتحدث المعركة بين الخير والشر، والتي ينتصر فيها الخير، على اعتبار أن هذا "المسيح الدجال" هو العدو الذي سينتهي به الزمان ويحمل نبوءة نهاية العالم.
العصر الذهبي
المعروف أن "ترامب" استخدم تلك النبوءات التوراتية التي يعتقد فيها الإنجيليون، والتي يطلق عليها "العصر الذهبي"، ويزعم هؤلاء حسب "جويل شناب" أنها موجودة في الإنجيل في سفر يسمى "سفر رؤيا يوحنا" والتي تقول: "في نهاية الزمان، سيلقي يسوع الوحوش في بحيرة النار، بينما يقيد ملاك الشيطان. سيعود الشهداء إلى الحياة ويعيشون ألف عام من السعادة مع المسيح، وهو ما يشبه العصر الذهبي. ثم سيُطلق سراح الشيطان من قيوده، ويجتمع شعبا يأجوج ومأجوج، وتدور رحى المعركة الأخروية العظيمة".
"ترامب" يظن أنه يواجه يأجوج ومأجوج، وبالتالي فإن التهديدات الخارجية للولايات المتحدة ما هي إلا تهديد من قوى الشر، وأن أمريكا تمثل "المدينة الحبيبة" أو الموعودة المذكورة في إنجيل يوحنا، ولذلك لم يكن غريبًا أن يصرح "ترامب" عام 2019 بأنه "المختار" أو المخلص، حتى عندما فشلت محاولة اغتياله في 13 يوليو 2024م، زعم أن الذي حفظه هو الرب، وهي فكرة موجودة في ذهنه فهو يظن أنه يشبه ملوك بني إسرائيل، ولذلك فإن العناية الإلهية تحيط به، فكرة مستوحاة من قصة "شاول" و"داود" أو (قصة جالوت وداود المذكورة في القرآن الكريم).
وحسب أحد أساتذة التاريخ وهو " كريستيان شوينتزل" في جامعة لورين الفرنسية، فإن "ترامب يوظف صورة القائد الديني ببراعة"، ويصر أنصار ترامب على إسباغ صورة القائد الديني عليه ويشبهونه بالملك داود- ثاني حكام مملكة إسرائيل، في القرن العاشر قبل الميلاد- ويدعي هؤلاء أن التشابه بين الاثنين قائم على اعتبار-حسب اعتقادهم- أن الملك داود لم يكن قديسًا، ولكن رجلاً أسكرته السلطة، وأن ترامب يتشابه معه في ذلك، فداود الذي صمد ضد العملاق الفلسطيني الجبار "شاول" أو "جالوت".. سوف يكرر "ترامب" نفس هذا الصمود، ولذا مهد بعض رجال الدين الإنجيليين الطريق لـ"ترامب" للسلطة، رغم فضائحه، واتهموا –كذبًا- داود بالفسق، وأنه رغم فسقه استطاع أن يبني مملكة بني إسرائيل القوية المرهوبة الجانب، وكان شعارهم "ليس بالضرورة أن يكون الراعي (الحاكم) صالحًا".
وأخيرًا أخي الكريم، هذا الحضور الطاغي للنبوءات الدينية وبخاصة نبوءات نهاية العالم وظهور المسيح والصراع بين الخير والشر ذات تأثير في تشكيل العقل السياسي، وهذا التأثير يتحول لسياسات فعلية على الأرض وإلى حروب ودماء تسيل من أجل تحقيق النبوءة.
موضوعات ذات صلة:
لماذا يقتنع الناس بنبوءات نهاية العالم؟
النظام الدولي.. بين القوة والمظلومية