هل صداقتنا حقيقية أم مصلحة واستنزاف مادي؟!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : الشباب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 379
  • رقم الاستشارة : 2440
25/08/2025

دكتورة.. عندي سؤال يرهقني من فترة: كيف أتعامل مع صديقات يظهرن أمامي بمظهر المحبة والرضا، لكن كل هذا الحب يتوقف بمجرد أن أتوقف عن العطاء المستمر؟ أشعر أنهن لا يطلبن مني شيئًا بوضوح، لكنهن يدفعنني بدهاء لأن أبذل كل ما عندي. وإن تعبت أو حاولت أن أرتاح، يتغير أسلوبهن، وتصير النظرات باردة والصمت جارحًا... فأجد نفسي أعود أعتذر وأبذل أكثر وكأني ارتكبت ذنبًا.

المشكلة أنني لا أستطيع أن أضع إصبعي على الخطأ، وكأن الخلل فيَّ أنا. هل هذه صداقات حقيقية أم مجرد استنزاف مقنّع بالحب؟ وكيف أميز بين العطاء الصحي والعطاء الذي يرهقني؟

الإجابة 25/08/2025

غاليتي..

 

سؤالك عميق وينم عن قلب صادق وحس مرهف، وأقدر ألمك وحيرتك؛ فالعلاقات الإنسانية حين تكون مشوشة تُرهق الروح أكثر مما تُسعدها.

 

ودعيني أضع الأمر بين يديك بمنهجية هادئة وواقعية:

 

أولًا: طبيعة العلاقة الصحية المتوازنة، غالبًا ما تقوم على الاحترام المتبادل وما يسمى (reciprocity) التبادلية، بحيث يكون العطاء فيها متبادلًا، والاهتمام غير مشروط باستنزاف الطرف الآخر. فإن شعرتِ أن القبول والحب يتوقفان على عطائك المستمر فقط، فهذه إشارة واضحة إلى ما يُسمى في علم النفس toxic relationships العلاقات السامة.

 

ثانيًا: لا بد أن تدركي خطورة العطاء غير المتوازن..

 

فالعطاء المستمر دون حدود يوقع الإنسان في دائرة emotional exhaustion الإرهاق العاطفي، وهو نوع من الاستنزاف النفسي يجعلك تشعرين بالذنب إن توقفتِ، وكأن قيمتك مرتبطة فقط بما تقدمين. هنا يختلط مفهوم self-worth قيمة الذات بما يعطيه الإنسان، بدلًا من أن ينبع من جوهره وكرامته.

 

ثالثًا: من الضروري أن تتدربي على التمييز بين العطاء الصحي والعطاء المرهق..

 

- العطاء الصحي يجعلك مرتاحة وهادئة، لا تشعرين بعده بالانكسار أو الاستغلال.

 

- أما العطاء المرهق يتركك مُستنزفة، مثقلة باللوم الذاتي، وكأنك تؤدين واجبًا قاسيًا لا بد أن تُكمليه حتى لا تخسري الآخر.

 

وديننا الحنيف علّمنا الاعتدال، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، فحتى الخالق عز وجل لم يكلف الإنسان بأكثر من استطاعته، فالأولى ألا يُجبرك مخلوق على تحمل ما لا تطيقين نفسيًّا أو ماديًّا أو بدنيًّا.. فكما أن العطاء فضيلة، فإن حفظ النفس من الإنهاك واجب.

 

وقال رسول الله ﷺ: "إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا"، أي أن الاعتناء بذاتك ليس أنانية، بل هو عبادة وواجب.

 

* ولذا فإنني أُهدي إليك هذه الخطوات العملية للتوازن:

 

1- حددي حدودك..

 

تعلمي أن تقولي "لا" بلطف، فذلك جزء من assertiveness التوكيدية الصحية.

 

2- قيّمي ردود أفعالهن..

 

بمعنى: إن تغير حبهن عند توقف عطائك، فذلك مؤشر أن العلاقة قائمة على المصلحة لا المودة.

 

3- أعطي نفسك كما تعطيهن.. استثمري في العناية بالذات؛ فالروح التي تُرهق لا تملك طاقة للعطاء الحقيقي.

 

4- أعيدي تعريف الذنب ولوم النفس..

 

أي توقفي عن اعتبار الراحة خطيئة؛ فالتوازن عين الحكمة.

 

ثم ثقي يا حبيبتي بأن الخلل ليس فيكِ، بل في نمط علاقة لا تحترم إنسانيتك. فالصداقات الحقيقية يا عزيزتي تنمو بالحب غير المشروط، أما تلك التي تُشعرك أنك مجرد "مورد" للعطاء، فهي ليست إلا استنزافًا مُقنّعًا.

 

ولتعلمي وليعلمن صديقاتك: أن "ما أُخذ بسيف الحياء، فهو باطل"، فإن وجدتِ أن منهن من تستحل الباطل باستنزافك، فهي غالبًا غير أمينة، فانتبهي وابتري هذه العلاقة السامة حتى وإن لم تبتعدي عنها نهائيًّا، فعلى الأقل اجعلي لها حدودًا ولا تستمري على تداخلك العميق معها.. ثم أحسني اختيار صداقاتك القادمة.

 

* همسة أخيرة لحبيبتي الطيبة:

 

كوني كما أرادك الله تعالى.. معطاءة، لكن بوعي يحفظ قلبك وما تمتلكين، وباعتدال يصون روحك؛ فالاعتدال هو مفتاح البقاء في علاقات نقية تُغذي الروح ولا تُرهقها.

الرابط المختصر :