هل في الغرب من يعادي الإلحاد؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : فكر معاصر
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 612
  • رقم الاستشارة : 2251
02/08/2025

هل الإلحاد مقبول بالكامل في الغرب ويلقى رواجًا وشعبية كبيرة أم هناك قوى فكرية ومجتمعية وثقافية تعارض هذا الإلحاد بكافة صوره؟

الإجابة 02/08/2025

أخي الكريم، يجب أن تنتبه إلى بعض المصطلحات الموجودة في القاموس والإعلام الغربي، مثل: معاداة الإلحاد أو التمييز ضد الملحدين أو فوبيا الإلحاد، فهي تعتبر موقفًا رافضًا للإلحاد؛ فالإلحاد ليس مقبولاً قبولاً تامًّا، ففي الغرب توجد اتجاهات وقوى متنوعة وعلى أرضيات مختلفة تعادي الإلحادي، ولا تقبل الملحدين، وتسعى لمحاصرة الإلحاد ووسمه بأنه مرض نفسي يحتاج لعلاج وتأهيل، وترى تلك الاتجاهات أن الإلحاد غير مقبول خاصة في المجال الاجتماعي.

 

يذكر كتاب "دليل أكسفورد للإلحاد" The Oxford Handbook of Atheism الصادر 2016م أن عدد الملحدين لا يزيد عن 7% من سكان العالم، وهو ما يعني أننا أمام أعداد قليلة منكرة لوجود الخالق سبحانه وتعالى، أما الكثرة فهم يمكن وصفهم بأنهم "لاأدريون"، أي لا يعتبرون أنفسهم مؤمنين أو ملحدين.

 

ويجب أن تلاحظ -أخي الكريم- أن من أكثر التصورات الموجودة عالميًّا وغربيًّا هو النظر إلى الإلحاد أنه بلا عمق أخلاقي؛ فالثقة الأخلاقية في الملحدين تكاد تكون غائبة ومشكوكًا فيها من قطاعات واسعة غربيًّا؛ فالملحد يعاني من غياب الغطاء الأخلاقي سلوكيًّا، والأخلاق والدين لهما ارتباط وثيق بعضهما البعض، ومن يُنكر الدين فهو يُنكر الأخلاق.

 

تشير دراسة أمريكية إلى أن هناك حالة من انعدام الثقة في الولايات المتحدة تجاه الملحدين، وأن المسوح الاجتماعية التي تجريها مراكز الأبحاث الأمريكية تؤكد أن الأمريكيين يكرهون الملحدين أكثر من أي مجموعة دينية أخرى، وكان الشيء اللافت للانتباه أن المسوح أظهرت أن نصف الشعب الأمريكي يرفض زواج أحد من أفراد الأسرة بملحد؛ بل إن 40% من الأمريكيين يعتقدون أن الملحدين لا يشاركونهم رؤيتهم للمجتمع الأمريكي، ويرفض أكثر من 60% من الناخبين الأمريكيين التصويت لشخص ملحد.

 

لكن الأغرب -أخي الكريم- أن بعض الملحدين أصبح يتوارى بإلحاده، ويمارس نوعًا من التعمية والنفاق؛ ففي دراسة أخرى أشارت أن 29% من العلماء الملحدين يعتبرون أنهم متدينون ثقافيًا، فهم يتفاعلون بانتظام مع أفراد أو منظمات دينية، في الزواج من شخص متدين، أو إرسال أبنائهم إلى مدرسة دينية، أو حضور الشعائر الدينية بأنفسهم.

 

وأشار استطلاع للرأي وسط علماء ملحدين إلى أنهم يبدون دهشة ورهبة أمام الحقائق غير المحسوسة وغير المادية التي لا يستطيعون تفسيرها، فهذه الحقائق تتجاوز الملاحظة؛ وهو ما يعني أنهم لا يمتلكون يقينًا في إلحادهم.

 

وفي تقرير لمنظمة "الإنسانيون الدوليون" هيومانستس إنترناشيونال IHEU، وهي منظمة جامعة تضم 160 منظمة علمانية وملحدة ولاأدرية، ذكرت أن 193 دولة من الدول المنضمة للأمم المتحدة تمارس تمييزًا ضد الملحدين.

 

وفي دراسة أجرتها جامعة واشنطن عام 2020م تحت إشراف البرفيسور "ستيف فاف" Steve Pfaff أستاذ علم الاجتماع بالجامعة أوضحت أن الملحدين والمسلمين من أكثر الفئات التي تعاني من تمييز داخل الولايات المتحدة، ومما ذكرته الدراسة أن "الملحدين هم على رأس قائمة الجماعات التي يجدها الأمريكيون إشكالية في الحياة العامة والخاصة"، وأن الأبحاث المسحية وجدت أن التحيز ضد الملحدين في الولايات المتحدة مستمر ودائم وراسخ في الرؤى الأخلاقية.

 

وخلصت الدراسة إلى أن الناس يحكمون بديهيًّا على الملحدين بأنهم غير أخلاقيين، ونتيجة لذلك يرتبط الملحدون ارتباطًا وثيقًا بالانحلال الأخلاقي وازدراء القيم المشتركة، ويُنظر إليهم على أنهم "غرباء أخلاقيون" في المجتمع الأمريكي.

 

كذلك يرى أكثر من ثلث الأمريكيين في استطلاعات الرأي الاجتماعية، ضرورة فصل المعلمين الملحدين، على اعتبار أنهم برفضهم العلني للدين يرفضون الأسس المعيارية للمجتمع.

 

لكن الأعجب هو النفاق الإلحادي في مقابلة الرفض الاجتماعي لهم، وذلك من خلال مساعي الإلحاد محاكاة بعض الشعائر الدينية دون أن يكون هناك إله معبود، فظهر ما يسمى "الكنائس الإلحادية"، مثل جمعية الأحد وكنيسة سياتل الإلحادية، والتي تهدف إلى محاكاة أجواء القداس في الكنيسة، ولكن دون عبادة إله.

 

وأخيرا -أخي الكريم- فإن الإلحاد في أقصى تقديرات لا يشكل 7% من المجتمعات، والكثير من هؤلاء منبوذون اجتماعيًّا، و"يعانون" من تمييز اجتماعي وبيروقراطي؛ نظرًا لاعتقاد الغالبية أن الملحد ليس له أية مرجعية أخلاقية.

الرابط المختصر :