هل للأشهر الحُرم فضائل خاصة وأعمال تُستحب فيها؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 6
  • رقم الاستشارة : 4627
21/04/2026

السلام عليكم ورحمة الله وكل عام وأنتم بخير.

دخلنا في شهر ذي القعدة وهو كما تعلمون بداية الأشهر الحرم الثلاثة المتوالية، فهل هناك أعمال تعبدية خاصة بهذا الشهر الكريم أو الأشهر الحرم عموما، يحصل بها المؤمن الثواب من الله عز وجل؛ خصوصا لمن لم يتيسر له الحج؟

الإجابة 21/04/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الفاضل، وكل عام وأنت بخير وإلى الله أقرب، وأسأل الله العلي القدير أن يبارك لك في عمرك وعملك، وأن يتقبل منا ومنك صالح الأعمال، وأن يجعلنا ممن يعظمون شعائره؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبعد...

 

فإن من فضل الله –تعالى- على عباده أن جعل لهم مواسم للطاعات، تضاعف فيها الحسنات، وتُغفر فيها السيئات، ومن أعظم هذه المواسم الأشهر الحرم التي اصطفاها الله -عز وجل- من بين شهور العام، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].

 

وشهر ذي القعدة هو أول هذه الأشهر المتوالية (ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم)، غير شهر رجب، وقد سُمي شهر ذي القعدة بهذا الاسم لأن العرب كانت تقعد فيه عن القتال وعن الترحال استعدادًا للحج.

 

ومن الأعمال المستحبة للمسلم في هذه الشهور وغيرها؛ لكنها تتأكد وتزيد الحاجة إليها في الأشهُر الحرم، ما يلي:

 

1- الكف عن المظالم والذنوب

 

أول عمل يُطالب به المسلم في هذه الأشهر (وفي غيرها كما بيَّنا) هو «الكف»، أي التوقف عن المعاصي والظلم؛ لأن الذنب في الشهر الحرام أعظم وزرًا منه في غيره. وقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: «إن الظلم في الأشهر الحُرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظِّم من أمره ما يشاء» [تفسير ابن كثير].

 

فإذا كنت تعاني من خصومة مع قريب، أو زميل، أو تقصير في حق جار، فليكن دخول ذي القعدة دافعًا لك للتسامح، ليس فقط طلبًا للأجر؛ بل تعظيمًا لحرمة الزمان الذي أنت فيه.

 

2- الإكثار من العمل الصالح عمومًا

 

لم يرد في السنة النبوية نص يخصص شهر ذي القعدة بصيام معين أو صلاة محددة (خلافًا لشهر المحرم والعشر الأُوَل من ذي الحجة)، ولكن العلماء استحبوا الإكثار من أنواع العبادات في الأشهر الحرم عمومًا، ومن ذلك:

 

- الصيام: لعموم قول النبي ﷺ: «صُم من الحُرم واترك» [رواه أبو داود]، وإن كان الحديث فيه مقال، إلا أن الصيام في الأشهر الحرم هو مستحب عند جمهور الفقهاء. فحاول أن تصوم من هذه الأشهر ما تستطيع، ولو على الأقل الثلاثة أيام البيض من كل شهر (13، و14، 15)، وأيام الاثنين والخميس.

 

- الذِّكر والاستغفار: فهو تجارة الرابحين التي لا تحتاج جهدًا بدنيًّا كبيرًا، ولكنها تملأ ميزان العبد، فاحرض على أذكار الصباح والمساء وأذكار الأحوال والأذكار المطلقة.

 

- الصدقة وبذل المعروف: فالصدقة في الأوقات الفاضلة يزداد أجرها، وهي برهان على صدق الإيمان، وتكفير للخطايا. قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245]. فحاول أن تجعل لك صدقة خفية في هذا الشهر، كإطعام مسكين أو المساهمة في سداد دين عن معسر.

 

- قيام الليل: وهو دأب الصالحين ومحراب المتقين، فلا تحرم نفسك من ركعتين في جوف الليل، تناجي فيهما ربك وتطلب منه القبول والستر، ففي الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه. ويقول النبي ﷺ: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» [رواه مسلم].

 

الاعتمار في ذي القعدة

 

من خصائص شهر ذي القعدة أن النبي ﷺ اعتمر فيه أربع عُمَر، كما ورد عن أنس رضي الله عنه: «اعتمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ أربعَ عُمَرٍ، كلُّهنَّ في ذي القعدةِ، إلا التي كانت مع حجتِهِ» [رواه البخاري]. وهذا يدل على فضل العمرة في هذا الشهر، ومَن لم يستطع الذهاب فعليًّا، فليعقد النية الصادقة، فربَّ نيةٍ بلغت بصاحبها منازل الأبرار.

 

رسالة لمن لم يتيسر له الحج

 

أخي الكريم، إن رحمة الله واسعة، وإذا حُبس الجسد عن البيت الحرام لعذر، فإن الروح لا تُحبس عن رب البيت. فإليك بعض الأعمال التي يحصل بها المؤمن ثوابًا عظيمًا يقترب من ثواب الحج:

 

1- صلاة الفجر في جماعة ثم الجلوس للذكر: قال ﷺ: «من صلى الغداة في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلَّى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة» [رواه الترمذي].

 

2- بر الوالدين: أقبَلَ رَجُلٌ إلى نَبيِّ اللهِ ﷺ فقال: أُبايِعُكَ على الهِجرةِ والجِهادِ، أبتَغي الأجرَ مِنَ اللهِ، فقال ﷺ: «فهل مِن والِدَيكَ أحَدٌ حَيٌّ؟»، قال: نَعَم، بَل كِلاهما، فقال ﷺ: «فتَبتَغي الأجرَ مِنَ اللهِ؟» قال: نَعَم، قال ﷺ: «فارجِعْ إلى والِدَيكَ فأحسِنْ صُحبَتَهما» [رواه مسلم].

 

3- الحفاظ على صلاة الجماعة: قال ﷺ: «من خرج من بيتِه مُتطهّرًا إلى صلاةٍ مكتوبةٍ فأجرُه كأجرِ الحاجِّ المحرِمِ، ومن خرج إلى تَسبيح الضُّحى لا ينصبُه إلا إياه، فأجرُه كأجرِ المعتمرِ، وصلاةٌ على إثرِ صلاةٍ، لا لغوَ بينهما، كتابٌ في عِلِّيِّينَ» [صحيح الترغيب].

 

وختامًا أخي الفاضل، إن شهر ذي القعدة هو بوابة الحج وميدان التهيؤ الروحي؛ فاجعل من هذا الشهر فرصة لتربية نفسك على تعظيم ما عظَّم الله، وطهِّر قلبك من الغل والحسد، ولسانك من الغيبة والنميمة، لتدخل في شهر ذي الحجة وأنت نقي السريرة، مستحق لنفحات الله عز وجل.

 

أسأل الله أن يتقبل منك صالح القول والعمل، وأن يكتب لك أجر الحجاج والمعتمرين وإن نأى بك المكان، وأن يجعل عامك هذا عام خير وبركة ونصر للإسلام والمسلمين. ولا تنسنا من صالح دعائك.

 

روابط ذات صلة:

الأشهر الحرم.. عددها وفضل الأعمال فيها

حرمة الأشهر الحرم لماذا غابت عن عن عالمنا؟ ومتى تعود؟

الأشهر الحرم.. معناها وحكمتها واستثمارها في الدعوة إلى الله

الأشهر الحرم وأحكامها الشرعية

الأشهر الحُرُم.. ما هي؟ وكيف نستفيد منها إيمانيًّا؟

الرابط المختصر :