هل نُحاسب على الخواطر؟ وهل الذنوب تحرمنا من الطاعة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : التوبة والإنابة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 163
  • رقم الاستشارة : 4435
28/03/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بارك الله فيكم ونفع بعلمكم. أودّ أن أستفتي في مسألة تؤرقني وتتكرر كثيرًا، وتتعلق بخواطر النفس ومحاسبة العبد عليها، ومدى تأثيرها على الطاعات. ورد عن سفيان الثوري رحمه الله أنه قال: "حُرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته"، فلما سُئل عن ذلك قال: "رأيت رجلًا يبكي فقلت في نفسي: هذا مراءٍ.

وسؤالي من عدة جوانب:

1- ما مدى صحة هذا الأثر عن سفيان الثوري؟ هل هو ثابت عنه بسند صحيح، أم هو من الأخبار التي لا تثبت؟

2- كيف يُفهم هذا الأثر إن صحّ، مع حديث النبي ﷺ: «إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم»؟

هل في ذلك تعارض، أم أن هناك توجيهًا يجمع بين النصين؟

3- هل يُعاقب العبد على مجرد الخواطر القلبية؟ كأن يمر في نفسه حكم أو ظن أو خاطر سيئ دون قصد أو تعمد، فهل يُؤاخذ عليه أو يُحرم بسببه من الطاعات؟

4- هل يمكن أن تكون الذنوب القلبية –كالعُجب أو سوء الظن العابر– سببًا في حرمان بعض الطاعات مثل قيام الليل، حتى وإن لم يتكلم بها الإنسان أو يعمل بمقتضاها؟

5- ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: "ما من عبد يذنب ذنبًا فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له"، فكيف نجمع بين هذا الفضل العظيم، وبين ما يُذكر من أن بعض الذنوب قد تكون سببًا في الحرمان من الطاعة؟

أرجو منكم التوضيح والتفصيل، خاصة في التفريق بين: الخواطر التي لا اختيار للإنسان فيها والخطرات التي يستقرها القلب أو يرضى بها جزاكم الله خيرًا، ونفع بكم.

الإجابة 28/03/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

 

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يبارك فيك، وأن ينير بصيرتك بالعلم النافع، وأن يرزقك وإيانا طهارة الظاهر والباطن، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وبعد...

 

فإن أعمال القلوب وخواطر النفس هي أدق ما يعالجه السالك إلى الله. فالقلب هو مَلِك الأعضاء وسيدها، وصلاحه صلاح لها، وفساده فساد لها.

 

صحة قول سفيان الثوري

 

هذا الأثر الذي نقلته عن سفيان الثوري -رحمه الله- مشهور جدًّا في كتب الرقائق والزهد وأعمال القلوب، وقد ذكره أبو نعيم الأصفهاني في كتابه «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء»، كما نقله ابن الجوزي في «صفة الصفوة»، وأبو حامد الغزالي في «إحياء علوم الدين»، وغيرهم ممن كتبوا في هذا الموضوع.

 

أما من حيث ثبوت سنده، فغالب هذه الآثار التي تُروى عن الزهاد والعباد لا تُعامل معاملة الأحاديث النبوية من حيث التشدد في السند؛ إذ المقصود منها الاعتبار والتربية الإيمانية. ومع ذلك، فالأثر يُنسب لسفيان الثوري، وهو إمام كبير في العلم والعبادة، وكلامه يعكس تجربة روحية عميقة. والمهم هنا ليس مجرد ثبوت السند كخبر تاريخي، بل صحة المعنى الإيماني الذي يرمي إليه، وهو ما يتفق مع أصول الشرع في أن المعاصي لها شؤم يؤثر على العبادات.

 

الجمع بين أثر الثوري وحديث التجاوز

 

إن الحديث الذي ذكرته هو قوله ﷺ: «إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ تَجاوزَ لأُمَّتي عَمَّا حَدَّثَت به أنفُسَها، ما لم تَعمَلْ، أو تَكَلَّمْ به» [متفق عليه].

 

ونجمع بينه وبين أثر سفيان الثوري بطرق عدَّة:

 

1- دائرة الإثم ودائرة الحرمان: الحديث النبوي يتحدث عن الإثم والمؤاخذة الأخروية (أي العقاب بالنار أو كتابة السيئة)، فالله بفضله لا يكتب سيئة على مجرد الخاطر الذي يمر بالقلب. أما أثر سفيان، فهو يتحدث عن شؤم المعصية، والحرمان من اللذة والتوفيق للطاعة في الدنيا.

 

2- مقامات العباد: يقول أهل السلوك: «حسنات الأبرار سيئات المقربين»، ومعناها أن الأعمال المباحة أو الطاعات العادية (حسنات الأبرار) تُعد تقصيرًا (سيئات) بالنسبة للمقربين الذين بلغوا درجات عالية من القرب، نظرًا لاستغراقهم في الطاعة. فالمقربون يحاسبون أنفسهم على أدق الدقائق، فما قد يمر على عموم الناس كخاطر عابر، يراه الصالحون المقربون جبالًا من الغفلة تستوجب التأديب الإلهي بالحرمان من مناجاة الله.

 

3- نوع الخاطر: الحديث يتكلم عن الخواطر التي لا تستقر في قلب العبد ولا يرضى بها. أما أثر سفيان، فربما يشير إلى خاطر استقر في القلب نوعًا ما، أو كان فيه نوع من تزكية النفس بمجرد ظن الرياء في الآخر، وهو ما يُعد ذنبًا قلبيًّا في حق المقربين.

 

هل يُعاقب العبد على مجرد الخواطر؟

 

العلماء قسَّموا ما يقع في القلب إلى خمس مراتب:

 

1- الهاجس: وهو ما يُلقَى في القلب من الشيطان، أو النفس الأمارة بالسوء، وهذا لا يؤاخَذ عليه إجماعًا.

 

2- الخاطر: وهو جريان ذلك الهاجس في القلب والتفكير فيه، وهذا أيضًا لا يؤاخذ عليه إجماعًا.

 

3- حديث النفس: وهو التردد بين فعل المعصية التي خطرت وتركها، وهذا أيضًا لا يؤاخذ عليه إجماعًا.

 

4- الهَمُّ: وهو ترجيح قصد فعل المعصية، والانبعاث لها، وقد ثبت في الحديث أن الهمَّ بالحسنة يُكتب حسنة، والهمَّ بالسيئة لا يكتب سيئة إلا إذا فعلها.

 

5- العزم: وهو التصميم الأكيد على ارتكاب المعصية، وهذا الذي قد يؤاخذ عليه العبد إذا كان عازمًا عزمًا جازمًا؛ بحيث إنه لولا العجز لفعل.

 

إذن، فالخواطر التي تمر دون قصد أو تعمد كما سألت، لا يؤاخذ عليها العبد، لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. ولكن إذا استرسل الإنسان مع هذه الخواطر وفتح لها أبواب قلبه حتى أصبحت عزمًا مستقرًّا، هنا يبدأ الحساب، كالظن السيئ الذي قال الله -تعالى- فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12].

 

ذنوب القلب والحرمان من الطاعة

 

نعم، بكل تأكيد، الذنوب القلبية أشد خطرًا من ذنوب الجوارح أحيانًا. فالعُجب، والكبر، وسوء الظن بالله أو بعباده، هي قواطع تقطع العبد عن ربه.

 

وهي قد تحرم العبد من الطاعات، وخصوصًا قيام الليل؛ لأن قيام الليل اصطفاء من الله، وتشريف وتكريم. وقد قال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إني أجهز طهوري وأستعد لقيام الليل فما أقدر عليه، فقال له الحسن: «قيدتك خطاياك».

 

إن الله -عز وجل- قد يعاقب العبد على ذنب قلبي (كأن يرى نفسه أفضل من غيره) بأن يسلب منه لذة المناجاة. فالقلب الذي يمتلئ بسوء الظن بالناس، يضيق عن أن يتسع لأنوار الله ومناجاته. وسوء الظن العابر إذا لم يُدفع بالاستغفار والاعتذار للمظنون به غيبًا، قد يتحول إلى رانٍ يغطي القلب.

 

تخيل يا أخي مرآة صافية (وهي قلب العبد الصالح)، إن أي ذرة غبار (خاطر سوء) تظهر فيها فورًا وتكدر صفاءها. أما المرآة المتسخة أصلًا (القلب الغافل)، فلا تؤثر فيها الأتربة الكثيرة. لذا كان سفيان يشعر بأثر الخاطر الواحد حِرمانًا لعدة أشهر.

 

الجمع بين حديث «ركعتي التوبة» وبين وقوع الحرمان

 

الحديث الذي أشرت إليه هو قول النبي ﷺ: «ما مِن عبدٍ يذنبُ ذنبًا، فيُحسنُ الطُّهورَ، ثمَّ يقومُ فيُصلِّي رَكْعتينِ، ثمَّ يستغفِرُ اللَّهَ، إلَّا غفرَ اللَّهُ لَهُ» [رواه أبو داود]. وهو لا يتعارض مع الحرمان التأديبي، وذلك من عدة وجوه:

 

1- المغفرة تزيل العقاب الأخروي: الركعتان تمسحان السيئة من ديوانك، ولكن قد يبقى أثر النكتة السوداء في القلب يحتاج إلى مجاهدة وصدق، ليعود القلب إلى سابق نشاطه وقوته.

 

2- الحرمان قد يكون رحمة: أحيانًا يحرم الله عبده من طاعة ليعلمه الافتقار والذل. فسفيان الثوري حين حُرم القيام خمسة أشهر، ظل منكسر القلب مستغفرًا باحثًا عن الذنب. هذا الانكسار والبحث والندم قد يكون عند الله أحب من قيام الليل نفسه الذي ربما كان سيورثه نوعًا من العجب.

 

3- تفاوت الناس في التوبة: قد يصلي العبد ركعتين بجوارحه وقلبه غائب، فلا يجد أثر المغفرة في توفيقه للطاعات. إن التوبة التي تمحو أثر الذنب هي التوبة النصوح التي يتبعها إقبال كلي على الله.

 

وختامًا أخي الكريم، إن ما تجده من قلق هو علامة خير، فالمنافق لا تهمه ذنوبه كالجبال، والمؤمن يرى ذنبه كأنه جبل يخاف أن يقع عليه.

 

ونصيحتي لك: إذا مر بك خاطر سوء، فاستعذ بالله فورًا، وادفع الخاطر يندفع، فإن استرسلت معه صار فكرة، فادفع الفكرة، فإن لم تفعل صارت عزيمة، فادفع العزيمة، فإن لم تفعل صارت فعلًا. يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].

 

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة. اللهم لا تحرمنا بذنوبنا فضلك، ولا تصرف عنا وجهك الكريم، واجعلنا من عبادك المقربين الذين تحبهم ويحبونك. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

هل للقلوب ذنوب؟ ولماذا هي أخطر من معاصي الجوارح؟

الرابط المختصر :