والداه متعصبان لأحد الشيوخ.. كيف نُغلِّف النُّصح بالبِر؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : فئات المدعوين
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 249
  • رقم الاستشارة : 3235
11/11/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية طيبة لكم..

أنا طالب بكلية الهندسة، أحرص على بر والديَّ وطاعتهما، وهما -حفظهما الله- يتمتعان بتديُّن ظاهر وحرص على أداء الشعائر، غير أن التزامهم هذا اقترن بتعلق شديد وتوقير يكاد يصل إلى حد التقديس لشيخ معين يحبانه حبًّا شديدًا ولا يسمعان غيره! ويعتبرانه المرجع الأوحد في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالدين والفقه. أي رأي أو فتوى تأتي من غير هذا الشيخ تعتبر عندهم باطلة أو هوى أو تسيّب، حتى لو كانت مدعومة بأدلة شرعية واضحة أو كانت رأيًا معتبرًا لعلماء آخرين مشهود لهم بالعلم والورع.

يمتد هذا التعصب ليؤثر على خياراتي الحياتية التي تدخل في نطاق المباح، فمثلاً عندما أستمع إلى محاضرة لشيخ آخر، يسألونني عنه بلهجة استنكار ويذكرون أن "الشيخ فلان حذّر من هذا، أو يرى غير ذلك". وإذا ذكرت رأيًا يخالف رأي هذا الشيخ الذي يقدسانه اتهماني بالتطرف أو التشدد، وإذا ذكرت رأيًا أكثر يُسرًا أو توسعة، اتهماني بالتساهل ومتابعة الرخص، ويُقال لي: "أنت تبحث فقط عما يوافق هواك"! وغالباً ما تنتهي مناقشاتي معهما باتهامي بالوقاحة في الحديث، أو بـ "قلة الأدب" لمجرد أنني لم أقبل قول شيخهما دون مناقشة!

فكيف أتعامل مع والديَّ الفاضلين بحكمة وبِرّ، ليقتنعا بأنّ هذا الشيخ ليس معصومًا، وأن هناك مساحة واسعة للخلاف المعتبر والاجتهاد المشروع في الدين، وأن على المسلم أن يوسِّع مداركه ويسمع للعلماء الآخرين، وذلك كله دون أن أدخل معهما في صدام مباشر أو أُعصّبهما عليّ؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة 11/11/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ولدي، وشكرًا جزيلاً على ثقتك بنا، وأسأل الله أن يبارك فيك وفي والديك الكرام، وأن يجعلك من البارين الصالحين، وأن يشرح صدرك وييسر أمرك، وبعد...

 

فيا ولدي، إنَّك تدرس الهندسة، وهذا يعني أنك صاحب عقل واعٍ وذهن منظَّم، وكونك حريصًا على بر والديك وطاعتهما، فهذا دليل على نبل أصلك وقوة إيمانك. فبر الوالدين من أعظم القربات وأجل الطاعات، وقد قرنه الله تعالى بعبادته والتوحيد، وهو مفتاح الخير في الدنيا والآخرة. يقول الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًا﴾ [الإسراء: 23].

 

وفي المقابل، فإن تقدير العلماء واحترامهم هو سمة المسلم الصادق، فهم ورثة الأنبياء وحملة الشريعة. وقد أثنى الله -تعالى- عليهم ورفع منزلتهم: ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖ﴾ [المجادلة: 11].

 

ولكن التحدي الذي تواجهه يكمن في كيفية الموازنة بين هذين الأمرين العظيمين؛ خصوصًا عندما يبلغ تقدير الوالدين لشيخ معين درجة تقترب من التقديس واعتقاد العصمة.

 

بين التعلق العاطفي والتعصب المذهبي

 

ما يعيشه والداك الكريمان يا ولدي هو شكل من أشكال التعلق العاطفي، والشعور بالاطمئنان لوجود مرجعية دينية واحدة وواضحة، وهذا سلوك شائع بين بعض المتدينين، وقد يصل إلى درجة التعصب المذهبي أو الشخصي.

 

قد يكون هذا الشيخ هو بوابة التدين لوالديك، أو وجدوا في منهجه اليُسر -أو الشدة- ما يوافق طبعهم، أو أنهم اعتادوا على طريقة عرضه للدين لسنوات طويلة. هذا الارتباط يخلق لديهما حاجزًا نفسيًّا ضد سماع أي رأي آخر، خوفًا من اضطراب قناعتهما أو شعورهما بالمسؤولية تجاه ما يريانه صوابًا مطلقًا.

 

ولا شك، إنّ حصر الحق في رأي شيخ واحد هو تضييق لرحمة الشريعة الإسلامية، التي قامت على أساس الاجتهاد واختلاف الفهوم. فالأئمة الأربعة وغيرهم اختلفوا في آلاف المسائل، وكانت الأمة بخير، وهذا الخلاف هو رحمة وتوسعة. وقد قال الإمام مالك -رحمه الله- للخليفة أبي جعفر المنصور لما أراد أن يحمل الناس على العمل بكتابه «الموطأ» وحده: «يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، ودع الناس وما اختاروا لأنفسهم». [تاريخ بغداد للخطيب البغدادي].

 

كيف تجمع بين البر والحكمة؟

 

هنا تكمن مهمتك يا ولدي، وهي تتطلب منك الصبر الجميل، والحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، مع الاستمرار في البرِّ والإحسان. وإليك بعض الخطوات العملية:

 

1- البرُّ وخفض الجناح قبل كل شيء:

 

لا تنسَ يا ولدي أن بر الوالدين مقدَّم على مصلحة إقناعهما في المسائل الفقهية أو الشخصية ما دامت لا تمس أصل الدين. فاستجب لما تطيقه منهما، واترك الجدال الذي لا طائل من ورائه في المسائل الفرعية التي لا تعتقد بوجوب العمل بها. إذا قالوا لك: «لا تسمع لفلان»، فقل: «سمعًا وطاعة»، ما دامت طاعتهما لا توقعك في معصية.

 

عندما يتهمونك بـ«الوقاحة» أو «قلة الأدب» لمجرد النقاش، تذكر أن مفهوم الأدب لديهم قد يختلف، وأن الواجب عليك هو خفض الجناح لهما. اعتذر عن نبرة غير مناسبة أو كلمة سوء قد تكون صدرت منك، حتى لو كنت ترى نفسك محقًّا في الرأي. يقول الله تعالى: ﴿وَاخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24].

 

2- الابتعاد عن الصدام المباشر والنقاش العقيم:

 

لا تجعل هدفك الانتصار عليهما في النقاش؛ بل الجمع بين رضاهما وسلامة منهجك. تجنب الجدل الصريح، ولا تذكر رأيًّا يخالف رأي شيخهم إلا عند الضرورة القصوى. وإذا ذكرت رأيًّا آخر فاجعله بصيغة: «سمعتُ بعض العلماء يذكرون...»، أو: «هناك رأي معتبر لبعض الأئمة يقول...»، دون أن تنسبه لنفسك أو تجعله تحديًا لرأي شيخهما.

 

استعمل أسلوب التورية، ولا تهاجم الشيخ الذي يحبانه مباشرة؛ بل امدحه بالخير الذي فيه، واذكر له فضله.

 

3- توسيع مداركهما تدريجيًّا:

 

وهذه الجزء تتطلب منك صبرًا طويلاً وذكاءً في إيصال المعلومة، دون مساس بمشاعرهم تجاه شيخهم. أكِّد على مبدأ أن العصمة للنبي ﷺ فقط، وأن كل إنسان يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله، واذكر لهم قول الإمام مالك بن أنس رحمه الله: «ما منَّا إلَّا رادٌّ ومَرْودٌ عليه، إلَّا صاحِبُ هذا القبر» وأشار إلى قبر النبي ﷺ. [ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله]. وهذه الكلمة هي جوهر ما تريد إيصاله.

 

اذكر لهما بعض القصص التي تبين اختلاف كبار الصحابة في بعض المسائل الفقهية، ثم اختم بأن هذا الخلاف لم يفسد ودهم ولم يقلل من احترام بعضهم لبعض.

 

ويا حبذا لو استشهدت بعبارات من شيخهما نفسه، إذا أمكنك العثور على أقوال له يذكر فيها احترامه للعلماء الآخرين أو إقراره بمسائل الخلاف المعتبر، فهذا يجعلهما يسمعان الحق من مرجعيتهما الموثوقة.

 

4- التغافل والتجاوز عن اتهاماتهما:

 

عندما يتهمونك بأنك تبحث فقط عما يوافق هواك، أو بالتساهل، تعامل مع هذا الاتهام على أنه نابع من خوفهما عليك وحرصهما على استقامتك. ولا تدافع عن نفسك بعنف؛ بل اشكرهما على خوفهما عليك، وقل: «أنا حريص على رضا الله ورضاكما، ولست أبحث إلا عن الحق الذي يريح ضميري. أسأل الله أن يهديني وإياكما لما فيه الخير».

 

إذا وجدت رأيًا فقهيًّا مُيَسرًا في مسألة ما -على سبيل المثال- ورأي شيخهما كان مُشدَّدًا، فاعمل برأي شيخهما في حضورهما، ولا تُظهر العمل بالرأي الآخر الذي تراه أنت صوابًا، وذلك حفاظًا على وُدِّهما ومنعًا للفتنة والصدام. فإن درء الفتنة وترك الجدال مع الوالدين هو مقصد شرعي عظيم.

 

وختامًا يا ولدي، استعن على هذا كله بالدعاء الصادق لهما، فدعوتك لأبويك في ظهر الغيب هي خير وسيلة لتليين قلبيهما وتوسيع مداركهما دون صراع أو خصام. وأوصيك بالصبر ثم الصبر ثم الصبر. واعلم أن بر الوالدين باب من أبواب الجنة، والتعامل بحكمة مع تعصبهما جهاد عظيم تُؤجر عليه بإذن الله.

 

أسأل الله أن يرزقك الحكمة في القول والعمل، وأن يرزق والديك الرضا عنك والقبول في الأرض والقبول في السماء، وأن يُعينك على برهما على الوجه الذي يرضاه.

 

روابط ذات صلة:

رفيق الدعوة متصلّب الرأي.. كيف أتعامل معه؟

الرابط المختصر :