الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
210 - رقم الاستشارة : 3745
03/01/2026
أنا شاب جامعي نشأت في أسرة محافظة، وأحاول أن أكون قريبًا من الله، لذلك أحب المشاركة في الأنشطة الدعوية داخل الجامعة وخارجها، مثل حلقات الذكر والدروس الدعوية والخدمات التطوعية الإسلامية.
لكن والدي – وهو رجل صالح في نفسه – يمنعني من هذه الأنشطة بحجة أنني "أضيع وقتي" وأن "الدين في القلب وليس في الجمعيات"، ويطلب مني أن أركّز على دراستي فقط.
أشعر بالحزن والارتباك؛ لأنني أريد طاعته من جهة، ومن جهة أخرى أرى أن هذه الأنشطة تزيدني قربًا من الله وتنمّي شخصيتي الإيمانية والدعوية. فكيف أوازن بين طاعة والدي والاستمرار في دعوتي دون أن أؤذيه أو أضعف؟
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبعد:
فمرحبا بك ابني الحبيب، وما أجمل أن يكون في قلب الشاب شوقٌ إلى خدمة دينه، وأن يحمل همّ الدعوة في زمنٍ طغت فيه المادة والشهوات. وما أكرم الله عليك حين جعل طريقك الدعوي محفوفًا باختبارٍ في أعز ما يملك الإنسان: برّ الوالدين.
هذه الاستشارة تفتح لنا بابًا عظيمًا من أبواب التربية الدعوية: كيف نُوازن بين واجب البر وواجب الدعوة؟
التوازن بين البر والدعوة
ولنبدأ من الأصل القرآني الذي رسم القاعدة الذهبية في هذا الباب: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْـرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا). وتأمل هذا التوازن العجيب؛ نُهينا عن طاعتهما في المعصية، لكننا أُمرنا بمصاحبتهما بالمعروف. أي أن الخلاف لا يُسقط البرّ، والمخالفة لا تُسقط الأدب.
فما بالـك إذا كان والدك لا يمنعك من الدين أصلًا، وإنما يخاف عليك من الانشغال، أو يخشـى عليك من رفاقٍ غير موثوقين، أو يخاف أن تتأثر ببعض التيارات المتشددة - فهنا يكون الخلاف في الوسيلة لا في المبدأ.
خطوات عملية للموازنة
إذن، أول خطوة هي فهم نية والدك قبل الرد عليه. هو -في الغالب- لا يعارض دعوتك إلى الله من حيث المبدأ، وإنَّما يخاف من آثارها عليك، وإليـك الخطوات العملية للموازنة بين البر والدعوة:
1) ابدأ بالحوار الهادئ لا الجدال: اجلس مع والدك في لحظة صفاء، وقل له بصدق: (يا أبي، أنا أفهم حرصك عليّ، وأقدّر تعبك من أجلي، لكن مشاركتي في هذه الأنشطة لا تُبعدني عن الدراسة، بل تقوّيني نفسيًّا وإيمانيًّا)، فأحيانًا كلمة صدقٍ واحدة تفتح قلب الأب أكثر من مائة نقاش.
2) قدّم له ثمار تجربتك الدعوية: احكِ له موقفًا واقعيًا مما رأيت في نشاطك الدعوي -مثل شابٍ تاب بسبب حديثك، أو طفلٍ تعلم آية على يديك- ودعه يشعر أنك لا تضيّع وقتك، بل تستثمره في الخير. إن الوالد عندما يرى أثر الدعوة في أخلاق ابنه، يطمئن قلبه، حتى لو لم يصرّح بذلك.
3) وازن بين العلم والدعوة: لتثبت لوالدك أن نشاطك لا يؤثر على دراستك، ضع جدولًا واضحًا لنفسك. احرص أن تكون متفوقًا علميًّا؛ لأن الدعوة التي تُضعف العلم تُضعف المصداقية. الطالب الداعية الناجح هو الذي يقدّم برهانًا عمليًّا على أن الدين لا يتعارض مع التميز الأكاديمي.
4) استعن بوسيط حكيم: يمكنك أن تستعين بشخصٍ يحترمه والدك -كأستاذٍ أو داعيةٍ أو قريبٍ عاقل- ليقرّب وجهات النظر، لأن بعض الآباء يطمئنون أكثر حين يسمعون النصح من طرفٍ ثالثٍ يثقون فيه.
5) تذكّر أنك داعية حتى في برّك بأبيك: قد تكون دعوتك الأبلغ في حياتك هي برّك الصادق بوالدك رغم خلافك معه. إنك حين تُقبّل يده رغم منعه، وتُظهر له الاحترام، فأنت تُرسل رسالة غير مباشرة بأن الدين الذي تتبعه دينُ أدبٍ ورحمةٍ وتوازن، لا دينُ عنادٍ وصدام.
وقد قال أحــد العلماء: (أعظم دعوة يقدمها الابن لأبيه أن يراه نموذجًا للأخلاق التي يدعو إليها)، وأذكّـرك بأن بعض الدعاة الكبار بدأوا هكذا، بمنعٍ أو رفضٍ من آبائهم، لكنهم بالصبر والبرّ، تحوّل الرفض إلى دعمٍ وتشجيع.
تخيّل بعد سنوات أن يقول والدك للناس: "كنت أمنع ابني من الدعوة، واليوم أنا أفتخر به داعيةً ينفع الناس". ذلك الموقف وحده كفيلٌ أن يُسعدك عمرًا.
روابط ذات صلة:
أهلي بيتي يصدون دعوتي.. فهل أبدأ بغيرهم؟
أهله يخشون عليه من «صحبة المتدينين».. كيف يطَمئنهم؟
أنا وأمي والتزامي.. استراتيجيات للحفاظ على التوازن