<p>أقدم محتوى ديني عبر وسائل التواصل على الإنترنت، طمعًا في الثواب من الله.</p> <p>بدأت ألاحظ أنني أفرح بازدياد المتابعين وتفاعلهم بالإعجاب والتعليقات.</p> <p>أحاول تصحيح نيتي باستمرار، لكن هاجس الرياء لا يفارقني.</p> <p>هل فرحي هذا دليل على ضعف الإخلاص؟</p> <p>وهل يقبل الله عملي هذا إذا خالطه شيء من حب الظهور؟</p> <p><span dir="RTL">وكيف أكتسب الإخلاص الحقيقي لله في أعمالي؟</span></p>
مرحبًا بك أيها السائل الكريم، وأشكر لك ثقتك بنا وتواصلك معنا، وحرصك على إخلاص عملك وصفاء قلبك لله عز وجل، أسأل الله –سبحانه- أن يبارك في عملك، ويرزقك الإخلاص والقبول، وبعد...
فيا أخي الفاضل، إن هذا الشعور الذي يساورك، كثير من الدعاة والمصلحين يمرون به. فالنفس البشرية مجبولة على حب الثناء والظهور، وهذا ليس بالضرورة دليلًا قاطعًا على ضعف الإخلاص المطلق، بل هو دليل على أنك في صراع مع نفسك وشيطانك، وأنك تحاول جاهدًا أن تنتصر لإخلاصك.
إن مجرد شعورك بهذا الهاجس ومحاولتك المستمرة لتصحيح النية، هو بحد ذاته علامة إخلاص. فالمرائي الغافل لا يشعر بهذا الصراع، ولا يحاول تصحيح نيته. قال الإمام سفيان الثوري رحمه الله: «ما عالجتُ شيئًا أشد عليَّ من نيتي؛ لأنها تتقلب عليّ». وهذا يدل على أن مجاهدة النية وتصحيحها أمر مستمر لا ينتهي.
الفرق بين الهاجس والنية المستقرة:
هناك فرق بين أن يخطر ببالك هاجس الرياء أو حب الظهور، وبين أن تكون هذه هي نيتك الأصلية التي بنيت عليها عملك. إذا كان أصل نيتك هو وجه الله، ثم طرأ عليك هذا الهاجس، فإن مجاهدتك له ودفعه هو المطلوب. قال بعض السلف: «من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن». والفرح بانتشار الخير الذي أنت سبب فيه، أو وصول دعوتك لعدد أكبر من الناس، ليس مذمومًا في أصله إذا كان هذا الفرح منصبًّا على انتشار الحق وهداية الناس، وليس على ذاتك وشخصك.
هل يُقبل العمل إذا خالطه حب الظهور؟
أخي الكريم، إن الرياء هو أخطر ما يهدد الأعمال الصالحة. قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. والشرك هنا يشمل الرياء. وقال رسول الله ﷺ: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». فسئل عنه فقال: «الرياء» [رواه ابن ماجة].
فإذا كان العمل كله مبنيًّا على حب الظهور وطلب مدح الناس، فهو باطل ومردود على صاحبه، ولا يقبله الله. قال رسول الله ﷺ: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» [رواه مسلم].
أما إذا كان أصل العمل خالصًا لله، ثم طرأ عليه شيء من حب الظهور في أثنائه، فهذا محل خلاف بين العلماء.
القول الأول: إن العمل كله يبطل.
والقول الثاني: إن العمل لا يبطل كله إذا جاهد العبد هذا الهاجس ودفعه، أو كان يسيرًا لا يغلب على أصل النية. فالله -سبحانه وتعالى- رحيم بعباده، ويعلم ضعفهم. المهم هو مجاهدة النفس ومحاولة تصحيح المسار فورًا.
فإذا عملت العمل خالصًا لله، ثم سرّك أن يمدحك الناس عليه بعد انتهائه، فهذا لا يضر. فقد سُئل رسول الله ﷺ عن الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» [رواه مسلم]. ولكن يجب ألا يطغى الفرح بالثناء على الفرح بطاعة الله، وألا يكون هو المحرِّك والدافع فيما يُستقبل من أعمال.
كيف تكتسب الإخلاص الحقيقي؟
1- دوام التذكر والمحاسبة:
اجعل لنفسك وقتًا يوميًّا، ولو قصيرًا، تحاسب فيه نفسك على نيتك قبل العمل وفي أثنائه وبعده. اسأل نفسك: لماذا أفعل هذا؟ لمن أفعله؟ هل أريد وجه الله أم شيئًا آخر؟
2- قراءة القرآن بتدبر وخشوع:
القرآن هو ربيع القلوب. تدبَّر آياته التي تتحدث عن الإخلاص والتوحيد والجزاء، وعن الرياء وعقوبته. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].
3- الإكثار من ذكر الله:
الذِّكر يطرد وساوس الشيطان ويقوي القلب ويصلح النية ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
4- الدعاء والتضرع إلى الله:
الجأ إلى الله بصدق، واسأله أن يرزقك الإخلاص ويصرف عنك الرياء. قل: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه».
5- التفكر في الموت والآخرة:
تذكر أن الدنيا فانية، وأن كل ما فيها زائل، وأن المتابعين والمتفاعلين لن ينفعوك في قبرك ولا في يوم حسابك. ما يبقى هو العمل الصالح الخالص لوجه الله.
6- احرص على عبادات السر:
كصدقة السر، وقيام الليل، وقراءة القرآن في خلوة. فهذا يقوي الإخلاص ويجعل النفس لا تعتاد على مدح الناس.
7- التركيز على الرسالة:
تذكَّر أنك مجرد وسيلة لنشر الحق، وأن الفضل كله لله. اجعل همك وصول الرسالة وهداية الناس، وليس أن تكون أنت المشهور أو الممدوح.
8- الصحبة الصالحة:
جالس من يذكِّرونك بالله، ومن ترى فيهم الإخلاص والزهد في الدنيا، فإن صحبتهم تؤثر في القلب.
9- التواضع ولين الجانب:
فكلما ازداد تواضعك، ونسبت الفضل لله لا لنفسك، ابتعدت عن حب الظهور والرياء.
10- تذكر عظمة الله وجلاله:
كلما استحضرت عظمة الخالق، صغر في عينك مدح المخلوقين.
وختامًا أخي الفاضل، إن جهادك هذا على الإخلاص هو من أعظم الجهاد، وهو دليل على أن الله يريد بك خيرًا. لا تيأس أبدًا من رحمة الله، ولا تستسلم لهاجس الرياء. استمر في عملك الدعوي، فهو من أجلّ الأعمال، واجعل نيتك دائمًا لله، وجاهد نفسك في كل لحظة.
ثق بأن الله سيتقبل منك بفضله وكرمه، ما دمت تسعى لإرضائه وحده. سر على بركة الله، ونسأل الله أن يجعلنا وإياك من المخلصين المقبولين.