<p>أنا محتارة ومش عارفة أعمل إيه. اكتشفت إن مرت أخويا بتاخد لحمة ودجاج وحاجات من بيت أخويا وبتوديهم عند بيت أبوها، وبتقول له إنها بتعمل كده عشان الأولاد الصغار ولازم يتغذوا كويس. أخويا مسافر وبيشتغل في دولة عربية، وأنا أول مرة شكيت بس المرة التانية صورتها وهي نازلة بالأغراض. حتى ابن أخويا الصغير اعترف وقال إنهم بياخدوا حاجات من البيت عشان يعملوها عند جدو. أنا حاسة بالقلق ومش عارفة أحكي لأخويا ولا أتعامل مع الموضوع بطريقة تانية، خايفة أي حاجة أعملها تسبب مشاكل كبيرة أو تخرب علاقات العيلة.</p>
أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك ابنتي في موقعك البوابة الإلكترونية للاستشارات.. يبدو من رسالتك أنك نشأت وتربيت في بيئة تجعل من أهل الزوج أوصياء بشكل أو آخر على زوجة الابن، فأنت تتابعين زوجة أخيك بشكل دقيق حتى أنك قمت بتصويرها حتى تثبتي أنها بالفعل تأخذ بعض الطعام لبيت والدها، وأيضًا قمت باستجواب الطفل الصغير حتى تعرفي مصير هذا الطعام...
هذه الطريقة البوليسية في التعامل مع زوجة أخيك، وإن كانت شائعة في بعض البيئات، فإنها تتنافى مع القيم الخلقية الإسلامية التي تنهى عن التتبع (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته).
تخيلي أن تكوني مراقبة في بيتك وفي دخولك وخروجك (دون ريبة) ما الذي تشترينه؟ وما الذي تأخذينه؟ لهو أمر مؤسف.. أن تكوني تحت تهديد تقرير يقدم لزوجك يخبره بأدق تفاصيل حياتك، ما تأكلين وحدك وما قررت أن تشاركيه في الأكل مع عائلتك، لهو أمر مؤسف.
ابنتي، حتى لو افترضنا جدلاً أن زوجة أخيك قد أخطأت فيما قامت به فلِمَ تبحثين وراءها ووراء عيوبها وتتبعين عورتها على هذا النحو الذي وصل للتصوير؟ إن كنت لا ترين أن ذلك يتناقض مع الأخلاق الكريمة أفلا تخشين من عقاب الله أن يسلط عليك من يتتبع عيوبك وعوراتك ويكشفها ويفضحها؟!
لو افترضنا أنها أخطأت فلماذا تتجسسين عليها على هذا النحو؟ فبالتأكيد أنت لم تقومي بتصويرها وأنت واقفة أمامها وجهًا لوجه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:12]. قال ابن حجر الهيتمي: ففي الآية النهي الأكيد عن البحث عن أمور الناس المستورة وتتبع عوراتهم.. فما بالك والأمر يمس عائلة أخيك واستقرارها، لقد أخطأت بنيتي فيما قمت به لعدد من الأسباب هذه أهمها:
- سوء الظن.. أنت أسأت الظن بزوجة أخيك واعتبرت في داخلك أنها تسرق مال أخيك المغترب وتعطيه لأهلها فمن أدراك أنه لا يعرف؟ الطفل يقول لك إننا نقوم بعمل الطعام عند الجد فهي تقضي معهم اليوم ويتناولون الطعام معا كما لو كانت قد دعتهم إلى بيتها.. فهل إذا دعت عائلتها للبيت فكنت ستسألين الأطفال ماذا أكل جدك وجدتك؟!
ومن أدراك أن أهل زوجة أخيك لا يشاركون بتقديم أصناف إضافية فيكون الجميع قد تشارك الطعام؟
- التجسس والتحسس الذي وصل حد التصوير وحد استجواب طفل صغير لانتزاع معلومات منه حتى أنك استخدمت لفظ "اعترف" (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا).
احمدي الله عز وجل أن جعلك تتوقفي ولا تتمادي بنقل هذه الصورة لأخيك وإلا لكنت وقعت في فخ إثارة الفتنة والسعي في التفريق بين المرء وزوجه، وأخشى ما أخشاه أن يكون وراء ما قمت به من سلوكيات في متابعة زوجة أخيك مشاعر كراهية أو غيرة أو حسد مغلفة بمشاعر القلق على مال أخيك، فراجعي نفسك وراجعي نواياك العميقة، ففي الحديث ربط وثيق بين التجسس وبين الكراهية والشقاق.
ابنتي الفاضلة، أريد تذكيرك بحديث آخر في هذه المسألة قد يجعلك تتوقفين تمامًا عما تقومين به من تتبع، ففي الحديث الذي رواه مسلم (إذا أنفقت المرأة من طعام زوجها، غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا)، فيجوز للزوجة أن تنفق من طعام بيتها كصدقة، فما بالنا لو كانت صدقة وصلة رحم (على افتراض أنه ليس طعام متبادل)، والفيصل أن يكون ما تنفقه لا يمثل مفسدة، وهذا أمره إلى ضميرها الديني ومدى استشعارها لرقابة الله، وليس من حقك أن تكوني أنت الحكم في هذه المسألة التي لا صفة لك فيها، وأخوك هو وحده القادر على تقييم ما يرسله من نفقة لزوجته وأولاده، فأرجو ألا تتدخلي في هذه المسألة تمامًا وألا توسعي دائرة هذا الحديث حتى لا تقعي في إثم إثارة الفتنة.
ونصيحتي المخلصة لك أن تنشغلي بحياتك ترسمين لها الخطط والأهداف الواقعية وتسعين لتحقيقها حتى تشعري بالإنجاز في حياتك، ومن أهم الأمور التي ينبغي عليك أن تهتمي بالتخطيط لها التفقه في الدين.. مزيد من قراءة القرآن مع تفسير بسيط ينقل حياتك لمستوى آخر أرقى وأعلى وإلى الله أقرب..
أرجو أن تكوني قد تفهمت رسالتي، وثقي أنني وضعت مصلحتك في المرتبة الأولى؛ لأنني لا أريد لك أن تسجني نفسك في هذه الزاوية المظلمة من سوء الظن والتتبع والتجسس، فأنت أعلى من ذلك قيمة ومقامًا، بل أريد أن ينير قلبك بالحب والتفهم وحسن الظن والتفاؤل والتماس الأعذار.. أسعد الله قلبك ورزقك راحة البال، وتابعيني بأخبارك دائمًا.