<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،</p> <p>أتقدم إليكم بهذه الاستشارة من مسجد قريتنا الصغيرة.</p> <p>مع الأسف، يوجد تنافس غير صحي وتسابق على الإمامة بين عدد من كبار السن المعروفين في القرية. البعض منهم لا يُحسن تلاوة القرآن الكريم بشكل صحيح ومتقن وبأحكام التجويد؛ بل يقع في أخطاء تخلُّ بالمعنى.</p> <p>هذا الأمر سبَّب نفورًا لدى بعض الشباب والأشخاص، حتى أن بعضهم أصبح يصلي في مساجد أخرى، وأحيانًا يخرج من المسجد بعد رؤية الشخص غير المتقن يتقدم للإمامة<span dir="LTR">.</span></p> <p>ونتيجة لتقديم شخص على آخر، أو محاولة البعض فرض رأيه، نشأت عداوات وبغضاء خفية وظاهرة بين العائلات والأفراد.</p> <p>يوجد في قريتنا عقلاء وأفاضل يدركون خطورة هذا الوضع، ولكن يمنعهم الحرج الشديد من التدخل المباشر أو النصح العلني لكبار السن المتنافسين، خوفًا من تصاعد الخلافات، خاصة أنهم جميعًا ذوو مكانة في القرية<span dir="LTR">.</span></p> <p>فما الشروط التي يجب أن تتوفر في الإمام باختصار؟</p> <p>وما الحكم الشرعي في هذا التنافس ممن لا يحقق هذه الشروط؟</p> <p>وما الخطوات العملية، والشرعية التي تنصحوننا باتباعها للتخلص من هذه الظاهرة السلبية؟</p> <p>وكيف يمكن لعقلاء القرية أو الشباب المتعلم أن يتدخلوا، دون إحداث قطيعة أو إشعال فتنة أكبر؟</p> <p><span dir="RTL">جزاكم الله خيرًا ونفع بعلمكم</span>.</p>
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك جزيل الشكر على ثقتك بنا ومراسلتنا، سائلين المولى -عز وجل- أن يتقبل منا ومنك صالح الأعمال، وأن يبارك في جهودك للسعي نحو إصلاح ذات البين، وإعادة السكينة والود إلى مسجدكم وقريتكم، وأن يجعل الخير على يديك، وأن يهدي الجميع لما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وبعد...
فإن ما تفضَّلتَ بذكره أيها الأخ الفاضل لهو أمر جلل ومؤلم للقلب، أن يتحوَّل بيت من بيوت الله، الذي أُسِّس للعبادة والتقوى والوحدة، إلى ساحة للتنافس الدنيوي والتنازع الشخصي. إن المسجد هو منبع الإيمان، وهو المكان الذي من المفترض أن تجتمع فيه القلوب على محبة الله ورجاء مغفرته، فلا يليق به أبدًا أن يكون نقطة انطلاق للفُرقة والعداوة.
عمل الشيطان
إن هذه الخلافات هي من عمل الشيطان الذي يسعى ليلًا ونهارًا للتفريق بين المؤمنين، وإفساد ما بينهم من مودة ورحمة، ولا سيما في مواطن الطاعات. وقد قال الله -تعالى- محذرًا من هذه الآفة: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ والْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 91]. وهذا يضع على عاتق الجميع، خاصة العقلاء والأفاضل، مسؤولية عظيمة لاستعادة روحانية المسجد ووئام القرية.
شروط الإمامة
إن التنافس على الإمامة، والذي يصل إلى حد تقديم من لا يُحسن تلاوة القرآن، ينافي الشرع والمنطق، ويُفوِّت على المصلين كمال الصلاة وجمال الخشوع.
ولقد وضع الشرع الحكيم ميزانًا واضحًا لمن يتقدم ليقف بين يدي الله إمامًا للمسلمين، وهو ميزان يقوم على الإتقان والفضل، وليس على المكانة الاجتماعية أو السن فقط. وقد ورد في الحديث النبوي الشريف الذي يحدد هذه الأحقية بوضوح: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا» [رواه مسلم].
ويُشترط لصحة الإمامة ألا يلحن الإمام لحنًا يُخل بالمعنى كإبدال حرف مكان حرف، أو حركة مكان حركة، وألا يتوقف في القراءة على كلمة غير تامة المعنى. فمن يقع في أخطاء تخلُّ بالمعنى لا يجوز أن يتقدم للإمامة، بل صلاة من يقتدي به قد تكون باطلة في حال كان اللحن فاحشًا يُغيِّر المعنى ويوجب الإعادة؛ خصوصًا إن كان المأموم يُحسن القراءة، ولا تجوز له متابعته إن أمكنه مفارقته والذهاب إلى مسجد آخر.
حكم التنافس على الإمامة
إن التنافس المذموم على الإمامة؛ خصوصًا ممن لا يحقق الشروط الشرعية، هو عمل غير لائق ومخالف لمقاصد الشريعة. فإذا كان الإمام يقع في أخطاء تُخلّ بالمعنى، فإصراره على الإمامة مع علمه بذلك يُعد تعديًا على حق المصلين في أداء صلاة صحيحة، وتهاونًا بأمانة الإمامة.
وإذا كان الله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]، فالمطلوب هو التسابق في العبادة والعلم والخشوع، وليس التسابق على الزعامة الظاهرة أو الرئاسة، والتنافس الذي يُفضي إلى العداوة والبغضاء وتفريق الصفوف.
وعندما يؤدي هذا التنافس إلى نفور الناس والتوجه إلى مساجد أخرى، أو الصلاة فرادى، يتحمَّل المتنازعون وزر تفريق الجماعة. وقد قال ﷺ: «وَلاَ تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» [رواه مسلم].
كيف نصحح هذا الوضع؟
1- الفتنة أشد من الحرج:
يجب أن يدرك العقلاء أن الحرج من النصيحة هو في ميزان الشرع أخفُّ ضررًا من استمرار الفتنة والنفور من الصلاة في جماعة.
2- النصح بلطف وحكمة:
قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، فليختر العقلاء أحبهم وأقربهم إلى قلوب المتنافسين على الإمامة، ويذهب لكل منهم على انفراد، ويُذكِّرهم بفضل الإخلاص، وخطر الرياء، وثواب التنازل، وفضيلة التواضع والإيثار.
ويمكن إنشاء لجنة مصغرة من عقلاء القرية والشباب المتعلم الواعي، على أن تتسم هذه اللجنة بالحياد والاحترام والمكانة، وتعقد اجتماعًا مغلقًا مع هؤلاء المتنافسين، وتبدأ بالثناء عليهم وذكر فضلهم، ثم تطرح القضية بأسلوب استشاري لا اتهامي. وتطرح الضرر الواقع من إفساد العلاقات وفُرقة أهل المسجد، وتُوضح لهم أن الفتنة أشد من القتل، وأن الحفاظ على كيان القرية ووحدتها هو فريضة شرعية وإنسانية.
3- وضع آلية واضحة للإمامة:
وذلك بتحديد إمام راتب (ثابت)، يحقق الشروط الشرعية (الأقرأ والأفقه)، ثم بعد ذلك توضع تراتبية للأئمة تُتَّبع عندما يغيب الإمام الراتب، وتُخصَّص أيام أو صلوات معينة لمن ثبتت أهليته من كبار السن الفضلاء، شريطة مراجعة قراءتهم وتكليف أحد القراء المتقنين بالتصحيح لهم قبل الصلاة، بلطف وخصوصية شديدة، لكيلا يجرح شعورهم.
مع إعطاء مساحة للشباب المتقن في الإمامة، فهم امتداد للمسجد، وهذا يُشجِّعهم على الالتزام، وتحمل المسؤولية.
4- إظهار التوقير لكبار السن:
إن التعامل مع كبار السن يتطلب غاية في الرقة والاحترام والتوقير، وهذا ما يحوِّل الصدام المحتمل إلى تفاهم ووئام. ويجب أن يتذكَّر الجميع قول النبي ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا» [رواه الترمذي].
ويمكن للَّجنة التي اقترحتها آنفًا أن تطلب من أحد كبار السن ممن تستشعر فيه قبول ذلك، أن يبادر بالتنازل عن التقدم للإمامة، ليقدم قدوة عملية لغيره من المتنافسين. فيُقال له: «إنّ تنازلك هذا يا عمنا هو أعظم دروس التربية لنا جميعًا، ونيتك في التنازل الآن لدرء الفتنة وتقديم القدوة أعلى أجرًا عند الله من نيتك في التقدم للإمامة».
ولتعويض شعور بعض كبار السن بفقدان المكانة، يمكن إسناد أدوار أخرى لهم، كأن يكونوا مسؤولين عن شؤون المسجد، وإدارته، ونظافته، وصيانته، ومساعدتهم في ذلك. فهذه الأدوار تمنحهم المكانة المطلوبة في قلوب الناس وتحوِّل جهدهم إلى خدمة حقيقية للمسجد.
5- إحياء روح العبادة في النفوس:
يجب أن يُعاد توجيه النظر إلى جوهر الصلاة والعبادة، فذكِّروا الجميع بأن الهدف من المسجد هو الخشوع والسكينة والاتصال بالله، وأن الإمامة هي وسيلة لتحقيق هذا الخشوع، وليست غاية في حد ذاتها، وأن صحة القراءة هي جزء من احترام هذا الاتصال.
ذكِّروا المتنافسين بحديث النبي ﷺ: «مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» [رواه الترمذي]، فالتركيز يجب أن يكون على إدراك تكبيرة الإحرام والصف الأول مع الإمام المتقن، وليس على التقدم للإمامة.
وختامًا أخي الكريم، اعلم أن سعيكم هذا هو عين العبادة، وجهدكم في رأب الصدع وإصلاح ذات البين هو أحب الأعمال إلى الله، فعليكم أن تزرعوا بذور المحبة من جديد، وأن تجعلوا من المسجد رمزًا للوحدة والإيثار.
أكرِّر الدعوات لك ولعقلاء قريتك بالتوفيق والسداد، وأن يجعل الله على أيديكم نهاية لهذه الفتنة، ليعود الهدوء والسكينة والخشوع إلى محرابكم، ليكون مسجدكم منارة للود والإيمان، ومدرسة للإخاء والإحسان.
وفقكم الله وسدد خطاكم، وجعلكم مفاتيح للخير مغاليق للشر.
روابط ذات صلة: