<p>هل تلعب ثقافة التساؤل دورًا في بناء العقل والمعرفة أم ثقافة السؤال والتساؤل ليست ذات جدوى معرفيا؟</p>
أخي الكريم، السؤال ذو أهمية في تكوين العقل والمعرفة وبنائهما، فالسؤال مفتاح المعرفة، وبدونه تصبح المعرفة حبيسة وغير مكتشفة، وهو ما يضعف تكوين العقل النقدي.
أهمية السؤال معرفيًّا
السؤال ضروري لتكوين المعرفة؛ لأن "كل ما نفعله ونفكر فيه تقريبًا يتولد من الأسئلة"، لأن السؤال ينادي المنطق لا العاطفة، وهذا يساهم في تكوين العقل، وتكوي التفكير النقدي.
السؤال من المحفزات الضرورية للمعرفة، فهو حافز للبحث والاستكشاف وإزالة الغموض، ومن أهم وسائل مقاومة الكسل الذهني، وهو عملية استدعاء للعقل للقيام بوظيفته في التفكير، يقول علماء النفس والتنمية البشرية: إن "طرح الأسئلة يحفز التعلم وتبادل الأفكار، ويعزز الابتكار وتحسين الأداء"، فالمعرفة تولد رغبة في المعرفة أكثر، وهذا لا يتأتى إلا من خلال السؤال، يقول "أينشتاين": "الأمر المهم هو عدم التوقف عن التساؤل... لا تفقد أبدًا فضولك المقدس".
السؤال أداة لبناء العقل وذو أهمية في العملية التعليمية، ومن ميزاته أنه يربط المعلومات بالمفاهيم، والأحداث بالأفكار، ومهارة يجب أن يتعلمها الشخص حتى يصل إلى مبتغاه من العلم والمعرفة، ولذلك كان يقال إن الأسئلة الضعيفة تشكل عائقًا أمام التعلم وتنمية الخبرات وتحصيل المعرفة؛ لأنها تخلق أجواء من الارتباك حول المعرفة الواجب التحصل عليها.
بعض الأبحاث صنفت الأسئلة ارتباطًا بمستواها المعرفي أو تعقيدها، وظهر "هرم بلوم" أو تصنيف "بلوم" للأهداف التعليمية الذي وضعه عالم النفس الأمريكي الكندي "بول بلوم" في الخمسينيات من القرن الماضي، وكان يهدف إلى بحث الأسئلة التي تدعم مستويات التعلم بدءًا من التذكر وصولا إلى الإبـداع، وهو مقسم إلى ستة مستويات تبدأ بالأبسط إلى الأكثر تعقيدًا، وتعد الأسئلة محورية في هذا التصنيف.
ومن هنا فالسؤال ضروري في العلم والتعليم والتفكير والإبداع، وهو ما أكده أحد علماء التربية الأوائل في الحضارة الإسلامية في القرن الثاني الهجري وهو "ميمون بن مهران" عندما قال: "حسن المسألة نصف الفقه"، والمقصود بالمسألة هنا هو السؤال، فالسؤال هو مفتاح لنصف الفقه أو العلم، لذا قيل: "حُسْن السؤال نصفُ العلم"، وقالت المعتزلة -تلك المدرسة العقلية في الحضارة الإسلامية-: "السؤال نصف العلم".
السؤال في الرؤية الإسلامية
في الرؤية الإسلامية هناك ترغيب في السؤال الهادف لدوره في إزاحة الجهل وتلمس للمعرفة، ومطالبة للمسلم أن يتوجه بسؤاله إلى الجهة التي تفيده وتساهم في إزاحة جهله وتنمية معرفته، فلم يكن السؤال غاية في حد ذاته، ولكنه وسيلة للتكوين العلمي والمعرفي، يقول تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة النحل: 43) يقول الإمام "أبو إسحاق الزجاج" وهو من كبار علماء اللغة والتفسير في القرن الرابع الهجري، أي: "سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق".
وقد نبهت الرؤية القرآنية إلى أن السؤال من وسائل إزالة الشبهات، وتحقيق الطمأنينة، ومن ثم فهو ضروري في هذا الشأن- قال تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكَ﴾ (يونس: 94).
ومن آداب السؤال في الحضارة الإسلامية أن يكون هادفًا، ولعل العبارة العظيمة التي ذكرها الإمام "ابن حزم الأندلسي" تجمل هذا الأدب الراقي في السؤال: "صفة سؤال المُتعلِّم هو أن تسأل عمَّا لا تدري، لا عمَّا تدري، فإن السؤال عمَّا تدريه... شغل لكلامك، وقطع لزمانك بما لا فائدة فيه لك ولا لغيرك، وربما أدَّى إلى اكتساب العداوات".
وعلى الجانب الفلسفي فالسؤال مركزي في الفلسفة؛ لأن الفلسفة قائمة على الشك والتساؤل، رغبة في الوصول إلى جوهر الحقيقة، والفلسفة بحث عن الحقيقة وليست امتلاكـًا لها، ولذا قيل "الفلسفة تساؤل مستمر".
روابط ذات صلة: