<p>السلام عليكم يا دكتورة،</p> <p>أنا أم لأول مرة، وابني عنده سنة وشهرين، بدأ يمشي من حوالي شهر ونص، ومن ساعتها وهو ما بيقعدش خالص!</p> <p>طول الوقت عايز يتحرك ويمشي ويلمّس كل حاجة، فرحان بنفسه جدًا بس بيعرّض نفسه للخطر، وقع كذا مرة، ومسك سلك الشاحن، وحاول يطلع على الكرسي.</p> <p>أنا مرعوبة عليه ومش عارفة أسيبه لحظة، ولو حاولت أقعده أو أحطه في المشاية بيعيط جامد.</p> <p>بقيت متوترة ومش عارفة أوازن بين حماسه وخوفي عليه.</p> <p>أسيبه يتعلم بطريقته ولا أحاول أقيّده شوية؟</p>
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
ابنتي الغالية، أول شيء أحب أطمئنك وأقول لكِ: طبيعي جدًّا ما تمرين به، وكل أمٍّ في بدايات المشي مع طفلها تعيش حالة القلق التي تنتابك، لأنها مرحلة حساسة ومليئة بالاكتشافات والوقوع والتجارب. فاطمئني.. أنتِ لستِ مقصّرة، ولا مبالغة، بل أمٌّ حريصة ومحبّة لطفلها، ولأطمئنك أكثر..
مرحلة الاستكشاف الحركي
أولًا: لا بد من فهم ما يمر به طفلك (من منظور علم النفس التربوي الأسري)..
ابنكِ الآن في مرحلة تُسمّى مرحلة الاستكشاف الحركي، وهي جزء أساسي من نموه النفسي والجسدي والإدراكي.
الحركة الكثيرة في هذا العمر دليل صحة، ونضج عصبي، وتطوّر طبيعي في المهارات الحركية الكبرى.
كما أنّ سعيه الدائم للمشي ورفضه للجلوس جزء من تكوّن الاستقلالية المبكرة (Early Autonomy)، وهي مرحلة وصفها عالم النفس إريكسون بأنها ضرورية لبناء الثقة بالنفس لاحقًا.
وهذه الحماسة هي إحدى صور الدافعية الداخلية للتعلم (Intrinsic Motivation)، والطفل يتعلّم من خلال المحاولة والخطأ، والسقوط ليس فشلًا، بل خطوة نحو النضج الحركي، فاطمئني.
أمِّن البيئة.. لا تقيّد الطفل
ثانيًا: التوازن المطلوب بين حريته وحمايتك..
أقدّر خوفك عليه.. لكنه لن يتعلم توازنه إلا إذا تحرك. والقاعدة التربوية تقول: "أمِّن البيئة، لا تقيّد الطفل"، فالمنع الزائد قد يخلق لديه إحباطًا انفعاليًّا (Emotional Frustration)، ويضعف ثقته بنفسه، بينما الحركة المحسوبة داخل بيئة آمنة تمنحه تعلمًا طبيعيًّا دون أذى بإذن الله تعالى.
خطوات عملية
ثالثًا: سوف أساعدك بخطوات عملية توصلك إلى هذا التوازن بعون الله:
١. تأمين البيت:
إخفاء الأسلاك.
تثبيت الأثاث.
تأمين مفاتيح الكهرباء.
إغلاق الأدراج والخزائن.
فرش سجادة سميكة في أماكن لعبه.
هذه الخطوات تُقلّل نحو 80% من المخاطر دون حرمانه من الحركة.
٢. مساحات آمنة للحركة:
خصصي له زاوية فيها ألعاب كبيرة آمنة تحفّزه على المشي لكن تحميه من السقوط المؤذي.
٣. لا تُقيدي حركته إلا للضرورة:
البكاء الشديد دليل على أنه يشعر بأنك تمنعين عنه أهم وسيلة تطوّر عنده.. ومع الوقت سيتحسن توازنه.
* وبالنسبة للمشّاية لا أنصح بها لأنها تُضعف التطور العضلي الطبيعي.
٤. حضورك لا بد أن يكون داعمًا لا متوترًا:
كوني قريبة دون توتر، فتوترك ينتقل إليه مباشرة عبر العدوى الانفعالية (Emotional Contagion).
٥. السقوط البسيط لا خوف منه:
بل السقوط الخفيف جزء من التعلم الحركي، والطفل يكتسب منه تقديرًا أفضل للمسافة والخطر.
كما أذكرك –غاليتي- بقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فالابتلاءات الصغيرة التي نخشاها قد تكون أبوابًا للنمو والتعلم.
وقال ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، ومسؤوليتك هنا ليست في منعه، بل في توفير بيئة آمنة تُعينه على النمو كما أراد الله تعالى لجسده أن ينمو.
* همسة أخيرة:
لتعلمي أن الحفظ بيد الله، فلا يقدر أحد أن يحمي طفلَه حماية كاملة، لذلك ادعي كل يوم: "اللهم احفظه بعينك التي لا تنام، وكن له سندًا وحرزًا من كل سوء".
روابط ذات صلة: