<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أتوجه إليكم بهذه الاستشارة وأنا مثقلة بالحيرة والاضطراب في نفسي.</p> <p>فقد اعتدت أن أطيل في الزعل والخصام، وأدخل في دوامة من العتاب والصراعات، حتى أشعر أنني أرهقت نفسي ومن حولي، وضاع جزء من عمري وأحلامي في مشاعر لا تبني ولا تصلح.</p> <p>وكان والدي –رحمه الله– يردد دائمًا نصيحة أعتبرها من أثمن ما سمعت في حياتي، نصيحة خرجت من قلبٍ راشد وعقلٍ امتلأ بالحكمة والتجربة: "يا ابنتي، العمر رأس مالك الحقيقي، فلا تضيعيه في الزعل والخصام والعتاب. هذه المشاعر تستنزف القلب وتسرق الوقت، ولا تُصلح شيئًا ولا تبني علاقة. من الحكمة أن تتعلمي أن تختصري الزعل، وتسامحي بسرعة، لأن الصفاء الداخلي أثمن من الانتصار في جدال، والرضا أعمق من الغرق في الحزن. اجعلي وقتك فيما ينفعك، فالدنيا قصيرة، والإنسان لا يملك أغلى من قلبه وعمره".</p> <p>لكن رغم إدراكي لهذه الحكمة، أجد نفسي ضعيفة أمام مشاعري، أزعل بسرعة وأطيل في الخصام، وكلما حاولت أن أختصر الزعل وأتجاوز، أعود وأنتكس.</p> <p>وهذا يجعلني أتساءل من الناحية الشرعية والتربوية: هل إطالة الزعل والخصام مع الناس يُعتبر ذنبًا أو يدخل في باب قطيعة الرحم وسوء الخلق؟</p> <p>كيف يمكنني أن أوازن بين التعبير عن مشاعري الطبيعية، وبين عدم الانغماس في العتاب والصراعات التي تضيع العمر؟</p> <p>هل هناك توجيه يساعدني أن أتعامل مع هذه الحالة، وأحوّلها إلى فرصة للإصلاح بدلًا من أن تكون سببًا في التباعد؟</p> <p>وكيف أستطيع أن أطبّق نصيحة والدي عمليًا، بحيث أتعلم أن أختصر الزعل وأتجاوز بسرعة، وأحافظ على قلبي نقيًا وعلاقاتي سليمة؟</p> <p>أكتب لكم هذه الاستشارة وأنا في حاجة إلى كلمة تربط بين الشرع والنفس، كلمة تفتح لي بابًا للسكينة، وتعلّمني أن أرحم نفسي وأرحم من حولي، وأتجنب أن أضيع وقتي في مشاعر لا تبني ولا تصلح.</p> <p><span dir="RTL">جزاكم الله خيرًا، وأسأل الله أن يهديني ويهدينا جميعًا لما فيه الخير والرضا.</span></p>
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أيتها الأخت الفاضلة، وأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم أن يُنير بصيرتك، ويشرح صدرك، ويُعينك على كل خير، وأن يجعل السكينة والطمأنينة قرار قلبك، ويوفقك للعمل بنصيحة والدك -رحمه الله- وجعلها في ميزان حسناته، وبعد...
العمر أغلى رأس مال
أختي الكريمة، لقد وضع والدك -رحمه الله- يده على جوهر الحياة وحقيقتها حين قال: «العمر رأس مالك الحقيقي». فالدنيا دار ممر وليست دار مقر، والأنفاس معدودة، والوقت محدود، ومن الحكمة البالغة أن نحافظ على هذا الرأس مال النفيس، فلا نصرفه إلا فيما يقربنا من الله، ويزكي نفوسنا، ويُعمِّر علاقاتنا. إن الحزن والخصام الطويل هو كالنار التي تأكل الحطب، تستنزف الطاقة وتُفني الوقت وتترك القلب رمادًا!
هل إطالة الزعل والخصام ذنب شرعي؟
إن إطالة الزعل والخصام إذا تجاوزت الحدود الشرعية تصبح ذنبًا صريحًا، وتدخل في أبواب منهي عنها، كالقطيعة والإعراض والهجر؛ خصوصًا إذا تجاوزت المدة الشرعية التي حددها النبي ﷺ بثلاثة أيام، ما لم تكن لله.
يقول النبي ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» [رواه البخاري]. وفي رواية: «... ومن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار» [رواه داود].
فإذا كان زعلُك يترجم إلى هجر فعلي في القول والفعل (كعدم التحدث، أو الامتناع عن السلام، أو الإعراض)، فهذا تجاوز للحد الشرعي بعد ثلاثة أيام. أما مجرد الشعور بالضيق والحزن الداخلي الذي لم يتحول إلى هجر، فهو من طبع البشر ولا يحاسب عليه المرء بذاته، لكن إطالته مذمومة تربويًّا وسلوكيًّا.
وحتى لو لم يصل الزعل إلى حد الهجر المحرم شرعًا (بعد 3 أيام)، فإن إطالته تتنافى مع مكارم الأخلاق وكمال الإيمان. فالإطالة في الزعل والعتاب تدل على ضعف في الصبر والحلم، وانغماس في حب «الانتصار للذات». وهذه المشاعر تستنزف طاقة الإيمان وتُفسد القلوب. يقول الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَك وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34 و35]. فالتجاوز والمسامحة من صفات الصابرين ذوي الحظ العظيم.
إن الشيطان حريص على إفساد الود والصلة، وإطالة الخصام هي من أحب الأعمال إليه. والمبادرة بالصفح والصلح هي انتصار على الشيطان وعلى هوى النفس الأمارة بالسوء.
مشروعية الإفراغ لا الإغراق:
إن المشاعر السلبية جزء من طبيعة الإنسان، والله لم يحرِّم علينا الشعور بها؛ والتعبير عنها بالعتاب الخفيف واللوم اللطيف؛ بل حرَّم علينا ما يترتب عليها من ظلم أو قطيعة.
فبدلًا من الخصام الصامت، قولي بهدوء لمن غضبت منه: «أنا متضايقة من هذا التصرف»، أو: «أنا حزينة لما حدث»؛ وركزي على الفعل لا على الشخص. مثلًا، قولي: «فعلُك هذا أغضبني»، بدلًا من «أنت شخص مزعج».
وأعطي لنفسك وقتًا محددًا ومختصرًا لاستيعاب الموقف، ثم قرري العودة. مثلًا: «سأهدأ لمدة ساعة ثم نتحدث»، فهذا يكسر دائرة الزعل الطويل.
كظم الغيظ من صفات المتقين:
إن أعظم ما يُساعد على اختصار الزعل هو كظم الغيظ، وهو من صفات المتقين المحسنين، يقول تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133-134]. وكظم الغيظ هو حبس النفس عن الانتقام، والعفو أعلى منه.
العفو أقرب للتقوى:
إن الله تعالى يدعونا إلى العفو، وهو ترك المؤاخذة تمامًا، وهو أعلى درجات التجاوز. يقول سبحانه: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 237].
وقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في الصفح، يوم الفتح؛ عندما قال لأهل مكة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» بعد كل ما فعلوه به وبأصحابه. وهذا الصفح العظيم هو الذي بنى الأمة ولم يضيعها في الثأر والانتقام.
إن التجاوز عن زلة قريب أو صديق أو زوج هو استثمار في العلاقة، وليس هزيمة في الخصام. عندما تتنازلين عن الانتصار اللحظي في الجدال، فإنك تفوزين بعلاقة صافية مع الناس وبقرب من الله.
عندما يطول بك الزعل، تذكري: هل يستحق هذا الأمر أن يُقطع بسببه الود بيننا؟ هل سأندم على هذا الخصام الطويل في يوم تتبدل فيه الأحوال؟
كيف تختصرين الزعل وتتجاوزين بسرعة؟
لتطبيق نصيحة والدك -رحمه الله- عمليًّا، عليك اتخاذ خطوات منهجية وعملية تعزز من قدرتك على تجاوز الزعل بسرعة والحفاظ على صفاء قلبك، منها:
1- الاستعاذة وتغيير الحال:
بمجرد الشعور بالغضب والزعل الشديد، استعيذي بالله من الشيطان الرجيم فورًا، ثم غيّري مكانك أو وضعيتك. هذا التغيير الجسدي يُساعد على كسر حدة الغضب والسيطرة على النفس، كما أرشدنا النبي ﷺ: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع» [رواه أبو داود].
2- تحديد زمن العودة:
لا تتركي الزعل مفتوح المدة ليأخذ من عمرك. عليك بتحديد زمن للعودة والتجاوز. قولي لنفسك بصدق: «سأهدأ لمدة ساعة أو ساعتين أو حتى نهاية اليوم، ثم سأفتح صفحة جديدة، ولن أسمح للشيطان أن يفسد قلبي». إن إصلاح القلب يبدأ بالإرادة الصادقة والقرار الحاسم منك.
3- التركيز على الإيجابيات:
عندما تأخذك نفسك إلى قرار القطيعة والهجر، استحضري ميزان المودة. تذكري محاسن وصفات الشخص الإيجابية وذكرياتكما السعيدة، واجعليها كفة راجحة تغطي على هذا الخطأ الطارئ أو الموقف السلبي. إن الله تعالى يذكرنا بقيمة هذا: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكمْ﴾ [البقرة: 237]؛ فتذكُّر الفضل والود يدفع للتسامح والاحتواء.
4- المبادرة بالصلح:
تذكَّري قول النبي ﷺ في الحديث المذكور آنفًا: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». فكوني أنت «خيرهما». لا تنتظري الطرف الآخر ليأتي أولاً؛ بل كوني المبادرة بالسلام أو رسالة مودة أو كلمة بسيطة تنهي الخصام. إن المبادرة بالصلح هي انتصار على كبرياء النفس، ودليل على قوة إيمانك ورغبتك في الأجر، لا في الانتصار الزائف في الجدال. جربي أن تقولي: «دعنا ننسَ ما حدث ونبدأ من جديد».
وختامًا أختي الكريمة، إن الصفاء الداخلي الذي تحدث عنه والدك -رحمه الله- هو هبة لا تُشترى بالمال، بل تُكتسب بجهاد النفس على العفو والمسامحة.
تذكري أن الدنيا دار امتحان، وستُسألين عن عمرك فيما أفنيتِه. فهل يستحق هذا الزعل الطويل أن يُفني جزءًا من عمرك الثمين؟ بالطبع لا.
القرار الآن بين يديك. استغفري الله، وابدئي صفحة جديدة مع نفسك ومع من حولك.
أسأل الله أن يرزقك الحكمة، ويشفي قلبك من كل حقد أو غل، وأن ينعم عليك بالمودة والسكينة، أنت وأهل بيتك.
روابط ذات صلة:
نار الغضب تحرق بيتنا الدعوي.. كيف أُصلح نفسي قبل أسرتي؟