<p>وقفت عند هذه الآية من كتاب الله وأريد من فضيلتكم تفسيرها والدروس المستفادة منها وهي قوله تعالى : ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 76]</p>
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه وبعد:
فالآية نزلت -على القول الأرجح لدى المفسرين- في كفار مكة عندما حاولوا استفزاز النبي ﷺ حتى يخرج من مكة (أي حمله ودفعه للخروج قهرًا وظلمًا)، لكنه لم يخرج إلا بعدما أذن الله له في الخروج، وقد توعدهم الله سبحانه وتعالى أن خروجه أو إخراجه من بينهم لن يمر مرورًا عابرًا، بل سيكون سببًا في ضياع ملكهم، وذهاب شوكتهم فقتل من قتل منهم يوم بدر وأتم الله له النصر عليهم في فتح مكة.
قولان في تفسير الآية
يقول الفخر الرازي – رحمه الله - في مفاتح الغيب:
في هذه الآية قولان:
الأول: قال قتادة: هم أهل مكة هموا بإخراج النبي ﷺ من مكة، ولو فعلوا ذلك ما أمهلوا، ولكن الله منعهم من إخراجه، حتى أمره الله بالخروج، ثم إنه قل لبثهم بعد خروج النبي ﷺ من مكة حتى بعث الله عليهم القتل يوم بدر، وهذا قول مجاهد.
والقول الثاني: قال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم فقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مسكن إبراهيم فلو خرجت إلى الشام آمنا بك واتبعناك، وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم، فعسكر رسول الله ﷺ على أميال من المدينة قيل بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازمًا على الخروج إلى الشام لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت هذه الآية فرجع.
فالقول الأول اختيار الزجاج وهو الأوجه لأن السورة مكية، فإن صح القول الثاني كانت الآية مدنية، والأرض في قوله: (ليستفزونك من الأرض) على القول الأول مكة وعلى القول الثاني المدينة، وكثر في التنزيل ذكر الأرض والمراد منها مكان مخصوص كقوله: (أو ينفوا من الأرض) [المائدة: 33] يعني من مواضعهم، وقوله: (فلن أبرح الأرض) [يوسف: 80] يعني الأرض التي كان قصدها لطلب الميرة. أ. هـ باختصار وتصرف.
الكون تصرفه سنن مطردة
ويقول صاحب الظلال – رحمه الله -:
ولقد جعل الله هذه سنة جارية لا تتحول، لأن إخراج الرسل كبيرة تستحق التأديب الحاسم. وهذا الكون تصرفه سنن مطردة، لا تتحول أمام اعتبار فردي.
وليست المصادفات العابرة هي السائدة في هذا الكون، إنما هي السنن المطردة الثابتة، فلما لم يرد الله أن يأخذ قريشًا بعذاب الإبادة كما أخذ المكذبين من قبل، لحكمة علوية، لم يرسل الرسول بالخوارق، ولم يقدر أن يخرجوه عنوة، بل أوحى إليه بالهجرة. ومضت سنة الله في طريقها لا تتحول.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة: