حكم من طاف على غير طهارة وهل يبطل حجه؟

<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أشعر بضيق وقلق شديد يفسد عليّ راحتي منذ أدائي لفريضة الحج في العام الماضي. ففي أثناء طواف الإفاضة، راودني شكّ قوي جداً (يقرب من اليقين) بأن وضوئي قد انتقض، ولكن بسبب شدة الزحام الشديد، وخوفي من فقدان مرافقيّ، وبسبب الإرهاق الجسدي الهائل حينها، غلبني الارتباك وأكملتُ الطواف دون أن أخرج لإعادة الوضوء.</p><p> الآن هذا الأمر يؤرقني ليل نهار وأخشى أن يكون حجي غير صحيح أو أن ذمتي لم تبرأ بعد. فما هو الحكم الشرعي في حالتي هذه؟ هل حجّي صحيح؟ وماذا يلزمني أن أفعل الآن ليرتاح قلبي وتطمئن نفسي؟ جزاكم الله خيراً."</p>

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فنشكر لك أختنا الكريمة هذا الحرص على أداء الشعائر كما أمرنا الله بها، ونقول لك هوّني على نفسك فالإسلام رحمة كله، وخير كله.

 

اشتراط الطهارة للطواف محل خلاف

 

أما مسألة اشتراط الطهارة للطواف فمحل خلاف بين الفقهاء يرى جمهور الفقهاء أنها شرط، ويرى الحنفية أنها ليست شرطًا وإن كانت مستحبة، وهذا ما رجحة ابن تيمية – رضي الله عنه – وكثير من الفقهاء المعاصرين، وما دام الأمر محل خلاف ففيه سعة ورحمة، وخاصة وقد بدأت الطواف وأنت على طهارة ثم نقض وضوؤك أثناء الطواف، وإعادة الوضوء فيها مشقة، وإذا ضاق الأمر اتسع، والمشقة تجلب التيسير، فطوافك صحيح إن شاء الله تعالى.

 

وقد احتج جمهور الفقهاء بأحاديث بعضها صريح وليس صحيحًا، وبعضها صحيح لكنه ليس صريحًا في الوجوب، ولكنه يدل فقط على الاستحباب.

 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: الذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلاً؛ فإنه لم يَنقل أحدٌ عن النَّبي لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف، مع العلم بأنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمَرًا متعددة والناس يعتمرون معه فلو كان الوضوء فرضًا للطواف لبيَّنه النبي بيانًا عامًّا، ولو بيَّنه لنَقل ذلك المسلمون عنه ولم يهملوه، ولكن ثبت في الصحيح أنه لما طاف توضأ، وهذا وحده لا يدل على الوجوب؛ فإنه قد كان يتوضأ لكل صلاة، وقد قال: "إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طهر" أ. هـ باختصار وتصرف.

 

القول الراجح في الوضوء للطواف

 

ويقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله -:

 

القول الراجح الذي تطمئن إليه النفس: أنه لا يشترط في الطواف الطهارة من الحدث الأصغر، لكنها بلا شك أفضل وأكمل واتباعًا للنبي وينبغي ألا يخل بها الإنسان لمخالفة جمهور العلماء في ذلك، ولكن أحيانًا يضطر الإنسان إلى القول بما ذهب إليه شيخ الإسلام، مثل: لو أحدث أثناء طوافه في زحام شديد، فالقول بأنه يلزمه أن يذهب ويتوضأ ثم يأتي في هذا الزحام الشديد، لا سيما إذا لم يبق عليه إلا بعض شوط: فيه مشقة شديدة، وما كان فيه مشقة شديدة ولم يظهر فيه النص ظهورًا بيِّنًا: فإنه ينبغي ألا نُلزم الناس به، بل نتبع ما هو الأسهل والأيسر؛ لأن إلزام الناس بما فيه مشقة بغير دليل واضح منافٍ لقوله تعالى: ﴿... يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185] أ. هـ باختصار وتصرف.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

أسرار الحج بين الإيمان والعقل

توسعة مسعى الصفا والمروة وحكم الطواف فيها

لماذا نجعل الكعبة عن يسارنا ونطوف عكس عقارب الساعة؟