زوجته الأولى ماتت قهرا.. هل أنا السبب؟

<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنا امرأة تزوجتُ رجلًا كزوجةٍ ثانية، ومنذ بداية زواجي به أشعر بثقلٍ شديد في صدري وعدم راحة لا تفارقني. عندما علمت الزوجة الأولى بزواجنا طلبت الخُلع وتنازلت عن كل حقوقها، وتم الانفصال بهدوء دون مشكلات أو فضائح. في ذلك الوقت كنت أظن أن ما حدث نصيب، بل واعترفت بيني وبين نفسي أنني شعرت بالفرح لأنها خرجت من حياته وبقي لي وحدي. لكن بعد انفصالها تغيّر زوجي تجاهي؛ أصبح عصبيًا، باردًا، وكأنه غير راضٍ عني، رغم أنني أحاول دائمًا أن أكون بجانبه وأخفف عنه وأعوضه.</p><p> ما يؤلمني أكثر أنني أعترف بأنني تعمدت أن أكون سببًا في كشف زواجنا. بعد سنة من زواجنا بدأت أرسل له رسائل وأتصل به وهو في بيته بقصد أن ألفت نظرها وتشكّ فيه. بل كنت أتعمد أحيانًا أن أترك أثرًا من مكياجي على ملابسه، وأستخدم نوعًا لامعًا جدًا يلتصق بالوجه ويدخل في المسام فلا يستطيع إزالته بسهولة، بحيث إذا عاد إلى بيته ورأت زوجته اللمعان على وجهه تحت ضوء الشمس تثور وتصرخ، بينما هو ينكر لأنه لا يلاحظ أثره بوضوح. كنت أفعل ذلك بقصد أن ينكشف الأمر وتعلم بزواجنا.</p><p> بعد أن اكتشفت الحقيقة، تركت البيت بهدوء، وطلبت الخلع وتنازلت عن كل شيء. مؤخرًا علمت بخبر وفاتها، وقيل إنها دخلت في حالة نفسية سيئة، امتنعت عن الطعام، وعاشت في حزن شديد حتى تدهورت صحتها وتوفيت. أبناؤها أخبروني أنها كانت تقوم الليل تدعو الله أن يأخذها لأنها لم تحتمل ألم رؤية زوجها مع أخرى. هذا الكلام كسرني جدًا، وأشعر أن الذنب فوق رأسي، وربما أكون سببًا فيما وصلت إليه، خاصة أنها كانت تحبه جدًا، ولم يكن لها من الدنيا سوى أولادها.</p><p> أنا الآن أعيش شعورًا قاسيًا بالذنب، لا أستطيع النوم، وصورتها قبل وفاتها لا تفارق خيالي. أعلم أن زواجي كان شرعيًا، ولم أقع في حرام من حيث العقد، لكنني أشعر أنني تعمدت أذيتها نفسيًا وكسر خاطرها. </p><p>سؤالي: هل أُحاسَب على ما فعلته من تعمد إيقاع الأذى النفسي بها؟ وهل أكون سببًا فيما حدث لها؟ وكيف أتوب توبة صحيحة وأتعامل مع هذا الشعور بالذنب الذي يلازمني؟ وكيف أستعيد استقراري النفسي بعد كل ما جرى؟ أسأل الله أن يرحمها ويغفر لها، وأن يغفر لي إن كنت قد أخطأت.</p>

وعليكم السلام ورحمة الله أختي الكريمة، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.

 

النفس البشرية معقدة للغاية وفيها طبقات: فما يبدو على السطح هو طبقة سطحية تليه طبقات دوافع مفهومة تليها طبقات دوافع تم إنكارها أو إخفاؤها، ولكن بتركيز الضوء عليها قد نراها وتليها طبقات من اللاوعي التي تترك أثرها في سلوكنا ومشاعرنا، وكلما كان الإنسان أكثر استبصارًا بنفسه استطاع أن يبعد نفسه عن مزالق الهوى.

 

الغيرة والقسوة

 

أختي الكريمة، مشكلتك في الأساس ليست مشكلة شرعية فأنت كنت زوجة ثانية شرعية.. أنت لم تطلبي من زوجك تطليق زوجته الأولى، فعلى المستوى الشكلاني السطحي أنت لم ترتكبي إثمًا.

 

لكن مشاعر الغيرة التي أنت على وعي بها جعلتك تسلكين سلوكيات صغيرة لا تكاد تُرى ولكنها أثرها كان حاسمًا في إنهاء زواج الراحلة.

 

زوجك كان يعلم أن زوجته الأولى لن تتحمل الوضع وستطلب الطلاق؛ لذلك اشترط عليك ألا تعرف الزوجة الأولى شيئًا، وأنت ظللت ترسلين لها رسائل مبطنة خفية حتى وصلتها الصورة كاملة وانتهى الزواج كما كان متوقعًا، وشعرت أنت بالانتصار بعد نجاح خطتك التي تعتبر نموذجًا للكيد النسائي المتقن.. أنا لا أريد أن أضغط عليك وأنا متيقنة أنك متألمة ونادمة، ولكن أنا فقط أحاول تحليل الأمر معك.. أنت كنت مستبصرة بما تقومين به ولكن عقلك كان يقدم لك التبريرات التي تسكن الضمير، بدءًا من أنني لم أخبرها شيئًا انتهاء ولماذا لا تصبر وتتحمل كبقية النساء؟

 

فأنت على المستوى القيمي والأخلاقي آذيت هذه السيدة وأبناءها وأنت تعرفين.. تماما كما تعرفين أن الله مُطلع على خفايا القلوب ويحاسب على مقدار الذرة من الخير والشر.

 

قد يجادل العقل ويقول إن الراحلة هي من قررت بإرادتها الحرة الطلاق أو الخلع وهي من قررت انفراط عقد أسرتها، وهذه ليست قضيتنا.. القضية أنك وافقت بإردتك الحرة ألا تخبري هذه السيدة عن زواجكم، ولعل زوجك اشترط عليك ذلك، وأنت تلاعبت بهذا الشرط وأوصلت لها الخبر بطريقة غير مباشرة بل بطريقة فيها كثير من التشكيك في الزوج الذي بدا في صورة الكاذب المتلاعب ولعله يدرك ذلك دون أن يلمس دليلاً عليه.

 

على أي حال انتهت المنافسة وبقي الزوج لك وحدك وإن كان بقي جريحًا فاترًا، ولست أدري ما هو مصير الأطفال وأين يعيشون الآن، فأنت لم تحكي شيئًا أكثر مما أخبروك به عن الأزمة النفسية التي ألّمت بوالدتهم قبل وفاتها.

 

جلد الذات

 

أختي الكريمة، لأنك مستبصرة بدوافعك فأنت شعرت بالصدمة في نفسك فلم تتخيلي يومًا أن الغيرة قد تحولك لهذه المرأة القاسية التي تكيد لغيرها.. عندما رحلت هذه المرأة تنبه ضميرك الذي خدرته حجج العقل الباردة من قبل وشعر بالذنب لما حدث، لكن الشيطان كان له رأي آخر.

 

فبينما كان الشيطان وراء حجج العقل الذي خدرت الضمير من قبل.. كان الشيطان وراء مشاعر جلد الذات المؤلمة التي تنتابك الآن وهي تصورك كسبب غير مباشر لوفاتها.

 

أختي الكريمة، الأعمار بيد الله عز وجل ولا أحد يموت بسبب الحزن أو بسبب الخداع أو بسبب المكر.. هذه الأشياء تصيب بالاكتئاب.. بالقلق.. بالاضطراب السلوكي لكنها ليست أشياء قاتلة فتنبهي حتى لا يتحول شعورك بالذنب لسكين على عنقك وأنت تشعرين أنك شاركت في كبيرة من الكبائر.. الشيطان يريدك أن تشعري باليأس والعجز وقد مات الخصم بدلاً من محاولة التوبة والإصلاح.

 

خطوات على طريق الإصلاح

 

أختي الغالية، لقد أخطأت وكلنا بشر يمكن أن نخطئ ونقع ونسقط ولكن خير الخطائين التوابون.

 

· التوبة تبدأ بالندم وقد ندمت بالفعل وبالعزم على عدم تكرار السلوك مرة أخرى، وأظنك عازمة على ألا تؤذي أحدًا مرة أخرى مهما بلغت درجة غيرتك.. التوبة تعني أن يستبدل الإنسان بسيئاته الحسنات.. أن تستغفري الله لها.. أن تتصدقي عنها.. أن تهتمي بأبنائها بصدق وأمانة.. كل هذه أعمال صالحة تعمل على محو ما قمت به من إساءة نحوها في حياتها.

 

· اصبري على زوجك حتى يستوعب ما حدث من تغيرات صادمة في حياته.. اعترافك له بما قمت به لن يفيد الراحلة في شيء وليس جزءًا من عملية التوبة، ولكن الشيطان قد يوسوس لك بذلك حتى يخرب حياتك ويمزق ما بينك وبين زوجك.

 

· كوني موجودة بهدوء في حياته.. موجودة وحاضرة دون ضغط.. إذا أراد أن يتكلم اسمعيه.. إذا شعرت أنه يشعر بالوحشة آنسيه.. إذا احتاج مساعدة فكوني موجودة اجعليه يشعر أنك سند له.. سند هادئ جدًّا.

 

· لا بد أن تستعيدي حياتك.. لقد أخطات نعم ولكن ما حدث كان قدرًا.. زوجك هو من تزوج بكامل حريته وإرادته وهو يعرف أثر ذلك على زوجته.. هو لم يرتكب إثمًا وأنما أخذ قرارًا حياتيًّا عليه أن يتحمل تبعاته.. الراحلة لم تكن مشكلتها معك أنت شخصيًّا بل كانت المشكلة مع الزوج الذي تزوج عليها.. نعم كان يريد السرية ولكن التجارب أثبتت أن السرية لا تدوم وعاجلاً أو آجلا كانت ستعرف.. خطؤك أنت في أنك لم تلتزمي باتفاقك معه وبالتالي ساعدت أن تعرف مبكرًا.. طلبها للخلع قرارها الشخصي.. تعلقها القلق بزوجها ليس لك ذنب فيه.. دخولها في حالة من الاكتئاب والمرض حد أن ترفض الطعام اضطراب ليس لك يد فيه .. وفاتها هو أمر مقدر في اللوح المحفوظ.

 

أنا لا أعفيك من الذنب ولكن ذنبك له حدود ينبغي ألا تتمدد.. ذنبك في الأساس ليس إخبارها بزواجك من زوجها.. ذنبك هو في علاقتك بنفسك.. في منهجك في تخدير ضميرك.. في التبرير الذي قمت به لسلوكياتك.. في أنك تركت غيرتك تتحكم فيك فتؤذي غيرك.. في أنك تحايلت على الاتفاق بينك وبين زوجك وهذه أمور عليك أن تراجعيها لأنها من الممكن أن تسبب أذى أكثر وضررًا أكبر، لكن أن يصل الأمر بك لاضطراب وعدم قدرة على النوم فأنت تؤذين نفسك وتفقدين السيطرة على حياتك.

 

أختي الكريمة، اجعلي ندمك وتوبتك إيجابية دافعًا لرعاية أطفالها.. اجعليها دافعًا أن تكوني حذرة في التعامل مع مشاعر الآخرين.. اجعليها دافعًا أن تكون علاقتك بالله أعمق وأقوى.. أنا أكتب إليك هذه الكلمات ونحن على أعتاب شهر رمضان شهر العفو والمغفرة والرحمة، فاستغفري الله من قلبك لك ولها، واسأليه أن يريك الحق حقًّا ويرزقك اتباعه، وأن يعينك على الإصلاح، وأن يصلح لك حياتك، وألا يكلك لنفسك طرفة عين، ويسعدني أن تكتبي لنا مرة أخرى.

 

روابط ذات صلة:

الغيرة القاتلة والخبز المسموم

زوجة ثانية.. هل أنا خرابة بيوت؟