كيف تُشوِّه الحرب الأطفال عقليًّا ومعرفيًّا؟

الحروب والصراعات التي تملأ العالم كيف تؤثر على الأطفال، هل تؤدي إلى اختلال عقلي ومعرفي ممتد في حياة الطفل، وكيف نظرت الدراسات الحديثة إلى تلك الأزمة؟

أخي الكريم، هناك حكمة قديمة قالها الفيلسوف "أفلاطون" يقول فيها: "لم يشهد نهاية الحرب إلا الموتى"؛ فالحرب مأساة كبيرة، والموت ليس معناه فقدان الحياة فقط، ولكن معناه متسع، فهناك مشاعر تموت، وأحلام تموت، وأفكار تنتهي؛ فالحرب تشوه العمران، وكذلك النفوس والعقول، لكن يظل الأطفال الذين يشهدونها هم الأكثر معاناة، وذكريات الحرب هي الأكثر بقاءً في ذاكرتهم.

 

العقل والصدمة

 

كشفت منظمة دولية هي "أنقذوا الأطفال" في تقرير لها صدر في منتصف العام 2023م أن هناك (486) مليون طفلا يعيشون في مناطق الصراع، أي أن طفلاً من كل ستة أطفال يعيش في مناطق الصراع، ومن ثم فإن 15% من البشر خلال سنوات قادمة سيكونون ممن عانى من الآثار السلبية للحرب نفسيًّا وعقليًّا، وأن البشرية ستكون مطالبة بمواجهة تلك الآثار السلبية والخطرة على مستقبلها، ومن ثم فالنظر لمعاناة الأطفال هي نظر لمعاناة قادمة ومؤلمة للبشرية يجب الالتفات لها والانتباه لمخاطرها.

 

تشير الدراسات إلى أن عقل الطفل يتعرض للكثير من المعاناة مع صدمة الحرب، وهذه الآثار لا تُمحى بسهولة، ولكن قد تلازمه طيلة عمره، فالتعرض وسماع ومشاهدة القصف وأصوات الانفجارات والخراب والقتلى والأشلاء والدمار، فإن هذا يُنشط أنظمة التوتر في الدماغ؛ ما يؤدي إلى اضطرابات في السلوك والنمو؛ ففي دراسة بعنوان "الصحة النفسية للأطفال الذين يعيشون في مناطق الحرب" ذكرت مجموعة من الحقائق المؤلمة عن معاناة الأطفال، منها: أن الأطفال في مناطق الصراع يتعرضون لمخاطر العنف الأسري وإساءة المعاملة، وهو ما ينعكس في صحتهم النفسية والعقلية.

 

وذكرت الدراسة أن الأطفال في مناطق الصراع يعانون من مشاكل سلوكية، مثل سرعة الانفعال وحدة الغضب وحالات الخوف الشديد وأعراض الانطواء والعزلة، والسلوكيات العدوانية، وهذه السلوكيات تعرضهم للإيذاء الجسدي والنفسي داخل أسرهم؛ وهو ما يعني أن الحرب تُنشئ دائرة لتوالد العنف والسلوكيات السلبية التي تُعالج بأساليب عنيفة.

 

تشير الخبرة التاريخية عن تأثير الحرب العميقة في أذهان الأطفال إلى أن الأطفال الألمان الذين قاسوا ويلات الحرب وهزيمة ألمانيا الساحقة في الحرب العالمية الثانية كانوا الأكثر عُرضة للإصابة بأمراض خطيرة في أوائل الستينيات من عمرهم بأكثر من الضعف مقارنة بغيرهم، وتم إرجاع السبب إلى حالة الإجهاد الكبيرة التي تعرض لها جهازهم العصبي أثناء الحرب خاصة إجهاد ما بعد الصدمة.

 

ضعف مهارات التواصل: الدراسات تؤكد أن الأطفال الذين يعيشون في مناطق الصراع يعانون من قصور في مهارتي التواصل والتكيف، وهذا يجعلهم يعانون معرفيًّا وعاطفيًّا وسلوكيًّا، وأنهم يتعرضون لمشاعر العجز والانطواء والغضب نظرًا لوجود ارتباط بين صدمات الطفولة والأمراض النفسية.

 

وقد أكدت دراسة أن الأطفال الذين يتعرضون لصدمات الطفولة يكتسبون أنماطًا سلوكية وإدراكية سلبية، فيكتسبون مبكرًا التعلم التجنبي؛ إذ يتعلمون سلوكيات لتجنب الألم ويؤدي الإفراط منها إلى قلق وتوتر وربما وسواس قهري، وأن الكثير من هذه السلوكيات السلبية تظهر في سن المراهقة، لكن الأخطر هو الكبت الذي يعد بوابة للكثير من الأمراض النفسية.

 

عمومًا -أخي الكريم- الأطفال في الحرب تنتقل مشاهداتهم لها من ألعاب الفيديو وأفلام الكرتون إلى أن يعايشوا الحرب عيانًا، ويكتووا بنارها، وهذا يتطلب تجنيب هؤلاء الأبرياء لمآسيها، ومن ناحية أخرى توفير الدعم النفسي الواعي والإيماني لتخفيف صدماتها المؤلمة.

 

موضوعات ذات صلة:

كيف تصنع الصورة قوتها في زمن الحرب؟

كيف تؤثر صدمات الحرب على عقولنا؟

هل للعلم دور في تحقيق التوازن الأخلاقي والفكري؟

كيف نتعامل مع الشائعات في زمن الحروب والأزمات؟