محاكم التواصل الاجتماعي بين الستر الواجب وحفظ الحقوق

<p>انتشر في الآونة الأخيرة مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يُظهر رجلاً وامرأة داخل سيارة في مكانٍ عام لكنه شبه معزول، وقد قام أحد المارة – وكان يقود دراجة نارية – بتصويرهما بهاتفه المحمول، ثم نشر المقطع على الإنترنت. وبعد أن لاحظت المرأة التصوير، قامت بتصويره هي أيضًا واتهمته بالتحرش، مما أدى إلى انتشار واسع للمقطع وحدوث جدل كبير بين الناس. </p><p>وبسبب هذا الحادث ظهرت آراء متباينة؛ فبعض الناس رأى أن الخطأ بدأ من الرجل والمرأة لوجودهما في وضع غير مناسب في مكان عام، وأن ذلك يخالف الأدب والستر الواجبين. بينما رأى آخرون أن تصوير الناس ونشر مقاطعهم على الملأ يعدّ تشهيرًا وانتهاكًا لخصوصيتهم، حتى لو كان ما يفعلونه خطأ. </p><p>لذلك أرجو منكم بيان الحكم الشرعي في هذه المسألة من الناحية الفقهية والاجتماعية: ما حكم تصرف الرجل والمرأة إذا كانا في وضع غير لائق داخل سيارة في مكان عام؟ ما حكم قيام شخص بتصويرهما ونشر المقطع على وسائل التواصل الاجتماعي بقصد فضح هذا التصرف؟</p><p> ما الموقف الشرعي الصحيح لمن يرى مثل هذه المواقف في الأماكن العامة: هل يغض بصره ويمضي، أم ينصح، أم يبلغ الجهات المختصة؟</p><p> وما الحكم في اتهام الشخص بالتحرش في مثل هذه الحالات دون وجود بينة واضحة؟</p><p> نرجو توجيه الناس إلى التصرف الشرعي الصحيح الذي يجمع بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة، وبين حفظ الستر وحرمة الناس وسمعتهم من جهة أخرى، خاصة في ظل انتشار وسائل التصوير والنشر السريع على وسائل التواصل الاجتماعي.</p>

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه، وبعد:

 

فهذه الواقعة تلامس قضايا فقهية وأخلاقية واجتماعية غاية في الأهمية، خاصة في عصر "المواطن الصحفي" وسهولة النشر الرقمي. الإسلام وضع منهجًا دقيقًا يوازن بين "إقامة الشعائر والأخلاق" وبين "حرمة الخصوصية والستر".

 

وكلا الطرفين جانبه الصواب، فالمسلم مأمور بالستر، مأمور أولا بستر نفسه إذا ابتلاه الله بشيء من هذه القاذورات، على اعتبار أنها امرأة لا تحل له، ولو كانت تحل له فهو مأمور بالبعد عن مواطن الشبهات، والاستبراء لدينه وعرضه، ومأمور أيضًا بستر غيره، إذا قدر له أن يطلع على شيء بلا تلصص ولا تجسس، لكنه مأمور في الوقت نفسه بإنكار المنكر حسب درجاته، بيده لولي الأمر، أو بلسانه لعامة الناس، أو بقلبه لمن خاف على نفسه، وبضوابطه المعروفة شرعًا، كأن يتأكد أولا من حصول المنكر، وأنه غير مختلف فيه، ويكون النهي بالحسنى، وفي السر، وبلا تشف أو انتقام.

 

وإليك البيان الشرعي المفصل لهذه الجوانب:

 

1. حكم تواجد الرجل والمرأة في وضع غير لائق في مكان عام

 

الأصل في المسلم الستر والعفاف، والسيارة في مكان عام تأخذ حكم "العلانية" إذا كان ما يقع فيها يمكن رؤيته من الخارج.

 

الحكم الشرعي: إذا كان الرجل والمرأة في وضع يخالف الآداب العامة (خلوة غير شرعية أو أفعال فاضحة)، فهذا محرم شرعًا، وهو من "المجاهرة بالمعصية"، لكنها لا تبيح فضيحته ونشر صورته.

 

الناحية الاجتماعية: هذا التصرف يكسر هيبة المجتمع ويدعو لانتشار الفاحشة، ويستوجب الإنكار بالضوابط الشرعية.

 

2. حكم التصوير والنشر (التشهير)

 

هذا هو الجانب الأخطر في الواقعة، وقواعد الشريعة فيه صارمة:

 

حرمة التجسس: قال تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا}. والبحث عن عورات الناس في سياراتهم أو أماكنهم الخاصة يدخل في باب التجسس المحرم.

 

عقوبة النشر والتشهير: تصوير الناس ونشر مقاطعهم على الإنترنت بقصد الفضيحة هو "تشهير" محرم، وهو نوع من "إشاعة الفاحشة" في المجتمع. يقول النبي ﷺ: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وفي الحديث: [هلا سترته بثوبك].

 

المسؤولية القانونية والشرعية: المصور هنا ارتكب معصية مركبة: التجسس، وهتك الستر، والافتئات على ولي الأمر (أي أخذ دور القاضي والجلاد بتنفيذ عقوبة الفضيحة بنفسه).

 

3. الموقف الشرعي الصحيح لمن يرى منكرًا

 

إذا رأى المسلم موقفًا مريبًا في مكان عام، فالتصرف الشرعي يتدرج كالآتي:

 

غض البصر: ابتداءً؛ لقوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}.

 

النصح السري: إذا أمن الإنسان على نفسه، فليطرق زجاج السيارة وينصح بكلمة طيبة (استروا على أنفسكم، اتقوا الله)، فهذا هو "النهي عن المنكر" الذي قصده الشرع لإصلاح العاصي لا لتدميره.

 

إبلاغ الجهات المختصة: إذا كان المنكر فاحشًا ويُخل بالأمن العام، فالواجب هو الاتصال بالشرطة أو الجهات المعنية؛ لأنهم المخولون شرعًا ونظامًا بالتعامل مع هذه الحالات، ولأنهم يملكون أدوات التحقق والستر.

 

المنع البات للتصوير: لا يجوز شرعًا التصوير بقصد النشر؛ فالفضيحة ليست وسيلة شرعية للإصلاح، بل هي وسيلة للانتقام والتشفي وإفساد البيوت.

 

4. اتهام الشخص بالتحرش دون بينة

 

قيام المرأة بتصوير الشخص واتهامه بالتحرش (كدفاع عن النفس أو رد فعل) دون وجود تحرش حقيقي هو من باب "القذف" أو "البلاغ الكاذب".

 

الحكم: لا يجوز اتهام أحد بجريمة لم يرتكبها لمجرد الخلاص من موقف محرج. اتهام التحرش تهمة ثقيلة تمس العرض، والشرع يطلب فيها البينة القاطعة، وإلا وقع المتهم في الإثم.

 

5. توجيه عام للمجتمع

 

الشريعة الإسلامية قامت على "الستر". وإليك هذه القواعد الذهبية للتعامل مع مثل هذه المواقف في عصر "السوشيال ميديا":

 

الفضيحة لا تعالج المعصية: بل قد تجعل العاصي يتمادى بعد أن فُضح أمره ولم يعد لديه ما يخسره.

 

العقوبة للأجهزة الأمنية: المواطن ليس قاضيًا ولا شرطيًّا؛ دوره ينتهي عند النصيحة أو البلاغ.

 

خطورة "النشر": المقطع الذي تنشره في ثوانٍ قد يدمر حياة إنسان (أو عائلة كاملة) لسنوات، وقد يتوب العاصي ويبقى مقطعك شاهدًا عليك وعليه إلى يوم القيامة.

 

6. توضيح الفرق بين "الستر الواجب" والشهادة الواجبة

 

وهو أمر في غاية الأهمية؛ لأنه يزيل الخلط بين مفهوم "التستر على المجرمين" وبين "ستر العورات والزلات". إليك التفصيل في ذلك:

 

أولاً: الستر الواجب (منهج الإسلام في التعامل مع الزلات)

 

الستر هو الأصل في التعامل مع المسلم الذي وقع في معصية أو زلة لم تكن ديدنًا له ولم يجهر بها بقصد التحدي.

 

ضابطه: هو الستر على المعاصي التي تتعلق بحق الله تعالى (كالعلاقات المحرمة، شرب الخمر، ترك الصلاة) والتي لا يتعدى ضررها المباشر إلى الآخرين بظلم أو اعتداء.

 

دليله: قول النبي ﷺ: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (رواه مسلم).

 

الهدف منه: إعطاء المخطئ فرصة للتوبة بينه وبين ربه، فالفضيحة غالبًا ما تقطع خط الرجعة وتنزع الحياء من قلب العاصي.

 

ثانيًا: الشهادة الواجبة (منهج الإسلام في حفظ الحقوق)

 

تتحول المسألة من "ستر" إلى "شهادة واجبة" في حالات محددة لا يجوز فيها الكتمان، وإلا اعتُبر الشاهد آثمًا.

 

متى تجب؟

 

ضياع حقوق العباد: إذا كان في المعصية اعتداء على آخر (كسرقة، أو قتل، أو تحرش حقيقي، أو اغتصاب)، فهنا لا يجوز الستر لأن حق المظلوم مقدم على ستر الظالم.

 

المجاهر بالمعصية: الشخص الذي يفاخر بفعله ولا يبالي بنظر الناس إليه، هذا سقطت حرمة ستره في هذا الفعل تحديدًا لزجر غيره.

 

طلب القضاء: إذا استُدعي الإنسان للشهادة أمام المحكمة، لقوله تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}.

 

ثالثًا: الفرق الجوهري في "طريقة الإدلاء"

 

هنا تكمن النقطة الفاصلة التي يخطئ فيها الكثيرون في عصر "السوشيال ميديا":

 

الشهادة الواجبة: تُؤدى في مجلس القضاء أو عند جهات التحقيق وبسرية تامة تضمن وصول الحق لأصحابه. هي إخبار لولي الأمر بالواقعة كما حدثت دون زيادة أو نقصان.

 

الفضيحة (النشر الإلكتروني): ليست شهادة شرعية، بل هي إشاعة للفاحشة. فالمصور الذي ينشر المقطع على الإنترنت لم يذهب للشهادة عند القاضي ليعاقب المخطئ، بل نشرها للعامة (من لا يملكون سلطة العقاب)، وهذا هو المحرم شرعًا.

 

رابعًا: مثال تطبيقي (واقعة السيارة)

 

الستر: إذا رأيتهم في مكان معزول ولم يظهر منهم إلا ريبة، فمن حقهم الستر والنصح السري.

 

الشهادة: إذا طُلب منك الإدلاء بما رأيت أمام جهة رسمية (بناءً على بلاغ)، فتقول ما رأيت بدقة دون مبالغة.

 

المنكر: تصويرهم ونشرهم للعامة ليس سترًا ولا شهادة، بل هو "جريمة تشهير" تجمع بين التجسس وإشاعة المنكر.

 

وأخيرًا: فالخطأ لا يُعالج بخطأ أكبر منه. وجود شخصين في وضع غير لائق خطأ، لكن تصويرهما ونشرهما جريمة شرعية واجتماعية وقانونية، والقاعدة الذهبية التي وضعها العلماء هي: "من استتر بستر الله وجب ستره، ومن كشف ستر الله عن نفسه بالجهر والعدوان، استحق أن يُكشف أمره لردعه". ولكن كشف الأمر يكون للجهات المسؤولة (الشرطة والقضاء) وليس لرواد "تويتر" و"تيك توك". والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

لماذا غابت ثقافة الستر في العالم الافتراضي؟

أهمية ثقافة الستر في الإصلاح الاجتماعي