<p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">يتردد على ألسنة كثير من الناس مَثلٌ سائر وقاعدة يتداولونها في معاملاتهم اليومية، وهي قولهم: "اتقِ شر من أحسنت إليه"، فما أصل هذه المقولة؟ وهل هي حديث نبوي؟<o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">وما مدى قبولها في ميزان الشريعة الإسلامية؟ <o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">وهل هي قاعدة في كل من نحسن إليهم؟ <o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">وما تفسير صدور الإساءة من شخص تلقى إحسانًا؟ ولماذا نجد أحيانًا رد فعل عكسي من البعض تجاه من مد لهم يد العون؟<o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">وكيف يمكن للمسلم أن يجمع بين الاستمرار في فعل الخير وبذل المعروف، وبين اتقاء الشر دون أن يقع في سوء الظن أو ينقطع عن الإحسان؟</span><span dir="LTR" style="font-size: 18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"><o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-fareast-font-family:"Times New Roman";mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">وجزاكم الله خيرًا</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-fareast-font-family:"Times New Roman";mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span>
مرحبًا
بك أخي الفاضل، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن يشرح صدرك،
وأن يوفقك لعمل الخير، وأن يقينا وإياك شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وبعد...
فإن
العلاقات الإنسانية قائمة في أصلها على التراحم والتعاون، وقد جاء الإسلام ليتمم
مكارم الأخلاق ويرسخ قيم الإحسان والمعروف. إلا أن الواقع العملي قد يشهد أحيانًا
صورًا من الجحود، مما جعل بعض الحِكَم والأمثال تجري على ألسنة الناس كنوع من
التعبير عن تجاربهم الاجتماعية. ومن بين هذه المقولات ما سألتَ عنه: «اتَّقِ شر من
أحسنت إليه»، وهي عبارة تحتاج إلى تفصيل في ظل رؤية الشريعة الإسلامية المطهرة.
هل هي حديث
نبوي؟
يجب
التأكيد بدايةً على أن جملة «اتقِ شر من أحسنت إليه» ليست حديثًا نبويًّا شريفًا،
ولم ترد في كتب السنة عن النبي ﷺ. بل هي مَثل سائر وحكمة جرت على ألسنة الناس
نتيجة تجارب حياتية معينة.
وقد
قال العجلوني في كتابه «كشف الخفاء»: «(اتق شر من أحسنت إليه)، وفي لفظ:
(مَن تحسن إليه)، قال في الأصل: لا أعرفه، ويشبه أن يكون من كلام بعض السلف، قال:
وليس على إطلاقه، بل هو محمول على اللئام دون الكرام».
بل
إن القرآن الكريم والسنة النبوية يحثان على أن الأصل في الجزاء هو المقابلة
بالمثل، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾
[الرحمن: 60].
مدى قبولها في
ميزان الشريعة
في
ميزان الشريعة، هذه المقولة لا تُقبل كقاعدة شرعية عامة، بل هي مجرد ملاحظة واقعية
لبعض النفوس البشرية.
فمن
حيث الأصل: الشريعة تدعو إلى الإحسان المطلق، لقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].
ومن
حيث الواقع: الشريعة لا تغفل وجود نفوس مريضة قد تقابل الإحسان بالإساءة، وقد
أشار القرآن إلى هذا النوع من الجحود في سياق ذكر صفات المنافقين، قال تعالى:
﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[التوبة: 74]؛ فبدلًا من الشكر، كان ردُّهم هو النقمة والجحود.
لذا،
فالمقولة تُحمل على معنى الحذر من لؤم الطباع، ولا تُحمل على التوقف عن فعل الخير.
هل هي قاعدة عامة في كل من نحسن إليهم؟
بالتأكيد
لا. فتعميم هذه المقولة فيه ظلم كبير للنفس البشرية السوية. فالأصل في
الإنسان الكريم هو الوفاء، كما قال الشاعر:
إذا
أنت أكرمت الكريم ملكته .. وإن أنت أكرمتَ اللئيم تمردا
فالناس
معادن، ومنهم من يذوب حياءً وتقديرًا إذا أحسنتَ إليه، ومنهم من لا يزيده الإحسان
إلا كبرًا. والإسلام ربط شكر الله بشكر الناس، فقال ﷺ: «مَنْ لَا يَشْكُرِ
النَّاسَ لَا يَشْكُرِ اللَّهَ» [رواه الترمذي].
فمن
يجعل هذه المقولة قاعدة عامة سيتحول إلى شخص متوجس، يسيء الظن بالجميع، وينقطع عن
المجتمع، وهذا يتنافى مع روح الإسلام التي تدعو إلى بذل المعروف.
لماذا
يسيء مَن تلقَّى الإحسان؟
قد
يستغرب كثيرون: كيف يسيء المرء لمن أحسن إليه؟ وفي الحقيقة هذا يحدث أحيانًا، لعدة
أسباب نفسية واجتماعية، منها:
1-
عقدة النقص: بعض النفوس الضعيفة تشعر بالذِّلة أمام المحسن،
فترى في وجوده تذكيرًا دائمًا بضعفها أو حاجتها السابقة، فتحاول كسر هذا الشعور
بالإساءة إليه، لتبدو وكأنها ند له وليست مدينة له.
2-
العزَّة الكاذبة: الشخص اللئيم يرى في الإحسان منَّة حتى لو لم
يمُنَّ المحسن بلسانه، فيتحول هذا الشعور الداخلي إلى طاقة عداء بداخله والعياذ
بالله.
3-
الحسد: قد
يحسد المتلقي المحسنَ على قدرته على العطاء وعلى فضل الله عليه، فينقلب المعروف
إلى حقد.
4-
سوء اختيار الموضع: أحيانًا يوضع الإحسان في غير أهله،
كمن يساعد شخصًا معروفًا بالفساد أو الغدر، فيكون أول ضحاياه هو ذلك المحسن.
كيف
يجمع المسلم بين فعل الخير واتقاء الشر؟
هذه
هي المعادلة الدقيقة التي يحتاجها كل مؤمن، ويمكن تحقيقها من خلال الخطوات
التالية:
1-
إخلاص النية لله: حين يكون إحسانك لله وحده، لن تنتظر شكرًا من
أحد، وبالتالي لن تصدمك إساءتهم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ
اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9].
2-
الحذر دون تخوين: كن فطنًا ولا تكن ساذجًا. فالإحسان لا يعني
الغفلة. اتبع هدي النبي ﷺ: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ
مَرَّتَيْنِ» [متفق عليه]. أحسِن للناس؛ لكن حافظ على خصوصياتك وأسرارك، واجعل بين
الناس وبين ثغراتك سدًّا منيعًا.
3-
وضع الإحسان في موضعه: حاول أن تتحرى أهل الحاجة
الحقيقيين. وقد قيل: «اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله، فإن أصبت أهلَه فهو
أهلُه، وإن لم تصب أهلَه فأنت أهلُه». لكن مع غير أهله كن أكثر حذرًا وتيقظًا.
4-
تجنب المَن والأذى: أحيانًا تصدر الإساءة كرد فعل
لأسلوب المحسن. فالمحسن الذي يذل الناس بعطائه يدفعهم دفعًا لكراهيته. قال تعالى:
﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264].
وختامًا
أخي السائل، إن الإحسان طريق موحش لقلة سالكيه، فلا تقطع طريق المعروف بسب زلَّة
لئيم، واجعل من «اتقاء الشر» حكمةً في التعامل، لا حاجزًا عن العطاء. فالنبي ﷺ
أوذي من قومه وهم أهله الذين أحسن إليهم، فصبر وصفح حتى فتح الله له.
أسأل
الله العظيم أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يطهر قلوبنا من
الرياء، وأعمالنا من المَن، وأن يكفينا شرار الخلق، ويجعلنا مفاتيح للخير مغاليق
للشر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
روابط
ذات صلة: