كيف نفهم فضائل الأوطان في القرآن الكريم؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; text-justify:kashida;text-kashida:0%;text-indent:13.8pt;line-height:normal; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; text-justify:kashida;text-kashida:0%;text-indent:13.8pt;line-height:normal; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">أنا شاب أحب تدبر القرآن الكريم، وأحاول أن أقرأ قصصه بعين الباحث عن الهداية، لا بمجرد متابعة الأحداث. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; text-justify:kashida;text-kashida:0%;text-indent:13.8pt;line-height:normal; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">وخلال قراءتي لآيات القرآن المتعلقة ببعض البلدان التي ورد ذكرها، لفت انتباهي أمر أشعر أنه يحتاج إلى فهم أعمق، فنحن نسمع كثيرًا عن فضائل بعض البلدان التي ذكرها الله تعالى في كتابه، أو ورد في فضلها شيء من السنة النبوية، ويستدل الناس بهذه النصوص على مكانتها وفضلها.. لكن عندما أتأمل القرآن أجد أن هذه البلدان نفسها كانت ميدانًا لأحداث متباينة؛ ففيها الإيمان والكفر، والعدل والظلم، والأنبياء والطغاة</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; text-justify:kashida;text-kashida:0%;text-indent:13.8pt;line-height:normal; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">ومن أكثر الأمثلة التي استوقفتني ما يتعلق بمصـر؛ فقد كانت موطنًا لنبي الله يوسف عليه السلام، وفيها نشأ موسى عليه السلام، وإليها لجأت السيدة مريم وابنها عيسى عليهما السلام، كما ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم في مواضع متعددة، وجاءت النصوص في فضلها والإحسان إلى أهلها.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; text-justify:kashida;text-kashida:0%;text-indent:13.8pt;line-height:normal; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">وفي الوقت نفسه كانت أرض فرعون الذي جعله الله آية في الطغيان والاستكبار، وفيها وقع سجن يوسف عليه السلام، وشهدت صورًا من الظلم والابتلاء</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; text-justify:kashida;text-kashida:0%;text-indent:13.8pt;line-height:normal; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif;color:#EE0000">وهنا بدأ يتولد عندي سؤال</span><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">: <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; text-justify:kashida;text-kashida:0%;text-indent:13.8pt;line-height:normal; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">كيف يجمع القرآن بين هذه الصور المختلفة؟ <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; text-justify:kashida;text-kashida:0%;text-indent:13.8pt;line-height:normal; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">وهل مدحُ القرآن لبعض البلدان هو مدحٌ للأرض نفسها، أم لما يقوم فيها من إيمان وعدل وصلاح؟ وهل يمكن أن يكون البلد فاضلًا مع وقوع الظلم فيه، أو أن يذكر فيه الطغيان دون أن يكون ذلك ذمًّا للأرض وأهلها جميعًا؟</span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; text-justify:kashida;text-kashida:0%;text-indent:13.8pt;line-height:normal; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">كما أنني ألاحظ أنَّ بعض الناس يتعامل مع فضائل البلدان بعاطفة مجردة، فيبالغ في تمجيد وطنه لمجرد ورود اسمه في القرآن، بينما يتخذ آخرون من القصص التي وقعت فيه سببًا للانتقاص منه أو الطعن فيه، وكلا الموقفين يبدو لي بعيدًا عن الإنصاف</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; text-justify:kashida;text-kashida:0%;text-indent:13.8pt;line-height:normal; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif;color:#EE0000">فكيف يرشدنا القرآن إلى الميزان الصحيح في النظر إلى الأوطان؟ </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">وكيف نفهم النصوص الواردة في فضائل البلدان بعيدًا عن التعصب العاطفي أو الأحكام المجتزأة، حتى يكون فهمنا منضبطًا بهداية القرآن وسنن الله في الأمم؟<o:p></o:p></span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أيها الشاب الكريم، وبارك الله في حرصك على تدبّر كتاب الله، فإنَّ مثل هذه الأسئلة تدل على قلبٍ لا يكتفي بقراءة الآيات؛ بل يسعى إلى فهم منهج القرآن في بناء التصورات وتصحيح الموازين، وهذه من أجلِّ مقاصد التدبر. وللإجابة عن سؤالك يمكن أن نقف مع عدد من المعالم القرآنية المهمة:

 

أولًا: القرآن يربي على العدل قبل العاطفة

 

من أعظم مـا يميز المنهج القرآني البديع أنه يحرر الإنسان من الانفعال المجرد، ويغرس فيه ميزان العدل والإنصاف. ولذلك لم يجعل القرآن الانتماء إلى أرض أو قوم سببًا للمدح أو الذم، وإنما جعل الميزان الحقيقي هو الإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فالكرامة ليست بالجغرافيا، وإنما بالتقوى، ولهذا فإن المؤمن لا يبحث عن نص يؤيد عاطفته، بل يبحث عن مراد الله تعالى، ولو خالف ما اعتاده الناس.

 

ثانيًا: القرآن لا يمدح الأرض لذاتها، وإنما يمدح ما يقوم فيها من الإيمان والعدل

 

وهذه هي القاعدة الكبرى في فهم فضائل البلدان؛ فالبلاد في القرآن ليست موضع الثناء أو الذم استقلالًا، وإنما يرتبط شأنها بما يقع فيها من طاعة أو معصية، وعدل أو ظلم، وإيمان أو كفر، ولهذا أثنى القرآن على الأرض المباركة لما جعلها الله موطنًا للوحي والرسالات، وذمَّ أممًا سكنت أرضًا مباركة حين انحرفت عن أمر الله تعالى، فدل ذلك على أن القيمة الحقيقية ليست في التراب، وإنما في الإنسان الذي يعمر الأرض بطاعة الله.

 

ثالثًا: لا يجوز اختزال الأوطان في حكامها أو في مرحلة من تاريخها

 

ومن الأخطاء الشائعة أن يُختزل وطن كامل في شخصية واحدة، أو في حادثة واحدة.

فلا يصح أن تختزل مصـر في فرعون، كما لا يصح أن تختزل مكّة في أبي جهل، ولا المدينة في عبد الله بن أُبي بن سلول مثلا، ولا أن تختزل أمة كاملة في حاكم ظالم أو فئة منحرفة، فالأشخاص يذهبون، أما الأوطان فتظل تحمل في تاريخها صفحات من النور وصفحات من الابتلاء، والعاقل يفرِّق بين الوطن ومن أفسد فيه.

 

رابعًا: سجن يوسف عليه السلام ليس ذمًّا لمصر

 

قد يظن بعض الناس أن ذكر سجن يوسف -عليه السلام- في مصـر دليل على ذمها، وهذا فهمٌ غير صحيح؛ فيوسف لم يسجنه الشعب المصـري، وإنما وقع عليه الظلم من أصحاب السلطة حينها، ثم شاء الله أن يجعل الأرض نفسها ميدانًا لظهور براءتــه، ومنها خرج إلى التمكين، وأقام العدل، وأنقذ البلاد والعباد من المجاعة، ثم جمع الله إليه أهله، وقال سبحانه: ﴿ادْخُلُوا مِصْـرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، فالمحنة لم تكن وصفًا للأرض، وإنما كانت ابتلاءً لعبد صالح، ثم كانت الأرض نفسها مسرحًا للنصر والتمكين.

 

خامسًا: مصر في القرآن ليست شخصية واحدة، بل لوحة متكاملة

 

ومن يتأمَّل القرآن يجد أن مصـر لم تُعرض من خلال فرعون وحده، بل عرضها القرآن من خلال نماذج متقابلة، ففيها يوسف عليه السلام رمز الأمانة والإصلاح، وفيها موسى عليه السلام رمز الرسالة والثبات، وفيها آسية زوج فرعون التي ضرب الله بها المثل للمؤمنين، وفيها مؤمن آل فرعون الذي جهر بكلمة الحق في وجه الطغيان، وفيها السحرة الذين انتقلوا من خدمة الباطل إلى الشهادة في سبيل الله... وفيها أيضًا فرعون وهامان وجنوده، وهكذا يقدم القرآن صورة متوازنة تؤكد أن البلد قد يجتمع فيه الخير والشر، كما تجتمع في الحياة كلها أسباب الهداية وأسباب الضلال.

 

سادسًا: مصر في القرآن مدرسة لسنن الله في التاريخ

 

ومن أجملِ ما يكشفه تدبر القرآن أن مصر ليست مجرد بلد ذُكر اسمه، وإنما ميدان تتجلى فيه سنن الله، فعلى أرضها رأينا المظلوم يصبح عزيزًا، والعبد يصبح وزيرًا، واللقيط يصبح رسولًا، والطاغية يغرق، والساحر يصبح شهيدًا، وسنوات الشدة تتحول إلى رخاء، والتمكين يأتي بعد الصبر، وكأنَّ الله أراد أن يجعل من أحداثها معرضًا عمليًّا يعلم عباده أن الأيَّـام دول، وأن العاقبة ليست للأقوى، وإنما للأتقى.

 

سابعًا: وجود الطغيان لا يسقط فضائل المكان

 

ولو كان وقوع الظلم في بلد سببًا لسقوط فضله، لما بقي لمكـة فضل وقد عُذِّب فيها المؤمنون، واضطر النبي ﷺ إلى الهجرة منها، ولما بقي للمدينة فضل وقد عاش فيها المنافقون، فالبلدان تُبتلى كما يُبتلى الأفراد، ويبقى فضلها بما أثبته الوحي، لا بما يقع فيها في مرحلة من مراحل التاريخ.

 

ثامنًا: فضائل البلدان تؤخذ من النصوص الصحيحة، لا من المبالغات ولا من الانتقاص

 

ومنهج المسلم هو الاعتدال، فلا يبالغ في تعظيم وطنه بدافع العصبية، ولا ينتقص من بلد ذكره الله أو شرَّفه بسبب حادثة تاريخية أو حاكم ظالم، فالفضل يُثبت بالدليل، والذمّ يُحمل على من استحقه، ويبقى العدل هو الميزان الذي أمر الله به.

 

تاسعًا: الرسالة الحقيقية التي يريدها القرآن

 

إنَّ المقصود من هذه القصص ليس أن ننشغل بالمفاخرة بين البلدان، وإنما أن نسأل أنفسنا: أي نموذج نريد أن نكون؟ هل نسير على طريق يوسف في أمانته؟ أم على طريق موسى في ثباته؟ أم على طريق آسية في يقينها؟ أم على طريق مؤمن آل فرعون في شجاعته؟ أم -والعياذ بالله- نسلك سبيل فرعون في ظلمه واستكباره؟

 

فالقرآن لا يريد منا أن نقدس الأمكنة بقدر ما يريد أن نعمرها بالإيمان والإصلاح.

 

وختامًا:

 

فإن الميزان القرآني في النظر إلى الأوطان ميزان بالغ الدقة؛ فلا يُسقط فضل بلد بسبب طاغية عاش فيه، ولا يمنح بلدًا العصمة لمجرد ورود اسمه في القرآن. وإنما يجعل معيار التفاضل هو الإيمان والعدل والإصلاح، ويجعل التاريخ ميدانًا للعبرة لا للتعصُّب، حتى يبقى المؤمن منصفًا في نظره، عادلًا في حكمه، مستنيرًا بهداية ربه..

 

نسأل الله تعالى أن يرزقك الفقه في كتابه، وحسن تدبر آياته، وأن يجعل القرآن ربيع قلبك ونور بصيرتك، وأن يرزقنا جميعًا الإنصاف في الأقوال والأحكام، وأن يحفظ أوطان المسلمين، ويبارك فيها بأهل الإيمان والعدل والإصلاح، ويجعلها ديار أمنٍ وطمأنينةٍ واستقامة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 


روابط ذات صلة:

كيف يغرس الداعيةُ في الشباب روحَ المسؤولية الوطنية والريادة؟

هل الاحتفال بالمناسبات الوطنية يتعارض مع الدعوة؟