الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : السياسة الشرعية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
449 - رقم الاستشارة : 3352
23/11/2025
أنا امرأة متزوجة، أعيش مع زوج لا يلتزم كثيراً بأحكام الدين، وأحياناً تصدر منه تصرفات غير منضبطة شرعاً أو أخلاقاً. كثيراً ما أجد نفسي في موقف حرج أمام أهلي، فأحاول تبرير سلوكه بدعوى الحب أو التعلق، وأقول لهم إنه سيصلح حاله مع الوقت. لكن داخلياً أتساءل: هل يجب عليّ أن أتحمّل أخطاءه وأعيد تقويمه؟ وهل يجوز شرعاً أن أبرر لأهلي سلوكاً غير صحيح فقط لأحافظ على صورته أو على علاقتي به؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فنشكر لك - أختنا الكريمة – حرصك على زوجك، وسعيك ألا تهتز صورته بين أهلك، والستر عليه، فمن ستر مسلمًا ستره الله تعالى، لكن هذا لا يمنعك عن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على كل مسلم ومسلمة، وأن تتلطفي معه وترفقي به، فما وضع الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، وهذا من تمام الحب، وكمال التقدير له، واحتسبي فيه الأجر، لأنْ يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير مما طلعت عليه الشمس كما أخبر المعصوم ﷺ.
يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71].
المؤمنون يتصفون بالخير وأعمال البر
يقول الفخر الرازي – رحمه الله - في مفاتح الغيب:
اعلم أنه تعالى لما بالغ في وصف المنافقين بالأعمال الفاسدة والأفعال الخبيثة، ثم ذكر عقيبه أنواع الوعيد في حقهم في الدنيا والآخرة، ذكر بعده في هذه الآية كون المؤمنين موصوفين بصفات الخير وأعمال البر، على ضد صفات المنافقين، ثم ذكر بعده في هذه الآية أنواع ما أعد الله لهم من الثواب الدائم والنعيم المقيم.
فأما صفات المؤمنين فهي قوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}. فإن قيل: ما الفائدة في أنه تعالى قال في صفة المنافقين و{المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} وههنا قال في صفحة المؤمنين: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} فلِم ذكر في المنافقين لفظ {من} وفي المؤمنين لفظ {أولياء}. قلنا: قوله في صفة المنافقين {بعضهم من بعض} يدل على أن نفاق الأتباع، كالأمر المتفرع على نفاق الأسلاف، والأمر في نفسه كذلك، لأن نفاق الأتباع وكفرهم حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر، وبسبب مقتضى الهوى والطبيعة والعادة، أما الموافقة الحاصلة بين المؤمنين فإنما حصلت لا بسبب الميل والعادة، بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية، فلهذا السبب قال تعالى في المنافقين: {بعضهم من بعض} وقال في المؤمنين: {بعضهم أولياء بعض}.
الولاية والعدواة
واعلم أن الولاية ضد العداوة، وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأصل في لفظ الولاية القرب، ويتأكد ذلك بأن ضد الولاية هو العداوة، ولفظة العداوة مأخوذة من عدا الشيء إذا جاوز عنه. واعلم أنه تعالى لما وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعض، ذكر بعده ما يجري مجرى التفسير والشرح له فقال: {يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله} فذكر هذه الأمور الخمسة التي بها يتميز المؤمن من المنافق، فالمنافق على ما وصفه الله تعالى في الآية المتقدمة يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف، والمؤمن بالضد منه.
والمنافق لا يقوم إلى الصلاة إلا مع نوع من الكسل والمؤمن بالضد منه. والمنافق يبخل بالزكاة وسائر الواجبات كما قال: {ويقبضون أيديهم} والمؤمنون يؤتون الزكاة، والمنافق إذا أمره الله ورسوله بالمسارعة إلى الجهاد فإنه يتخلف بنفسه ويثبط غيره كما وصفه الله بذلك، والمؤمنون بالضد منهم. وهو المراد في هذه الآية بقوله: {ويطيعون الله ورسوله}، ثم لما ذكر صفات المؤمنين بيّن أنه كما وعد المنافقين نار جهنم فقد وعد المؤمنين الرحمة المستقبلة وهي ثواب الآخرة، فلذلك قال: {أولئك سيرحمهم الله}، وذكر حرف السين في قوله: {سيرحمهم الله} للتوكيد والمبالغة كما تؤكد الوعيد في قولك سأنتقم منك يومًا، يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونظيره {سيجعل لهم الرحمن ودا} {سوف يعطيك ربك فترضى} {سوف يؤتيهم أجورهم}.
ثم قال: {إن الله عزيز حكيم} وذلك يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب لأن العزيز هو من لا يمنع من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة، والحكيم هو المدبر أمر عباده على ما يقتضيه العدل والصواب.
طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة
ويقول الأستاذ سيد قطب – رحمه الله - في الظلال:
إن طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة. طبيعة الوحدة وطبيعة التكافل، وطبيعة التضامن، ولكنه التضامن في تحقيق الخير ودفع الشر. (يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).. وتحقيق الخير ودفع الشر يحتاج إلى الولاية والتضامن والتعاون. ومن هنا تقف الأمة المؤمنة صفًّا واحدًا. لا تدخل بينها عوامل الفرقة. وحيثما وجدت الفرقة في الجماعة المؤمنة فثمة ولا بد عنصر غريب عن طبيعتها، وعن عقيدتها، هو الذي يدخل بالفرقة. ثمة غرض أو مرض يمنع السمة الأولى ويدفعها.
السمة التي يقررها العليم الخبير(بعضهم أولياء بعض).. يتجهون بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعلاء كلمة اللّه، وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض. (ويقيمون الصلاة).. الصلة التي تربطهم باللّه. (ويؤتون الزكاة).. الفريضة التي تربط بين الجماعة المسلمة، وتحقق الصورة المادية والروحية للولاية والتضامن (ويطيعون اللّه ورسوله).. فلا يكون لهم هوى غير أمر اللّه وأمر رسوله، ولا يكون لهم دستور إلا شريعة اللّه ورسوله. ولا يكون لهم منهج إلا دين اللّه ورسوله، ولا يكون لهم الخيرة إذا قضى اللّه ورسوله.. وبذلك يوحدون نهجهم ويوحدون هدفهم ويوحدون طريقتهم، فلا تتفرق بهم السبل عن الطريق الواحد الواصل المستقيم.
(أولئك سيرحمهم اللّه).. والرحمة لا تكون في الآخرة وحدها، إنما تكون في هذه الأرض أولاً ورحمة اللّه تشمل الفرد الذي ينهض بتكاليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ وتشمل الجماعة المكونة من أمثال هذا الفرد الصالح. رحمة اللّه في اطمئنان القلب، وفي الاتصال باللّه، وفي الرعاية والحماية من الفتن والأحداث. ورحمة اللّه في صلاح الجماعة وتعاونها وتضامنها واطمئنان كل فرد للحياة واطمئنانه لرضاء اللّه.
إن هذه الصفات الأربع في المؤمنين: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لتقابل من صفات المنافقين: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ونسيان اللّه وقبض الأيدي.. وإن رحمة اللّه للمؤمنين لتقابل لعنته للمنافقين والكفار.. وإن تلك الصفات لهي التي وعد اللّه المؤمنين عليها بالنصر والتمكين في الأرض ليحققوها في وصايتهم الرشيدة على البشرية: إن اللّه عزيز حكيم.. قادر على إعزاز الفئة المؤمنة ليكون بعضها أولياء بعض في النهوض بهذه التكاليف، حكيم في تقدير النصر والعزة لها، لتصلح في الأرض، وتحرس كلمة اللّه بين العباد.
والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
كيف أوازن بين التحذير من المنكر والدعوة بالحكمة والرفق؟