أبي وأمي أيهما أولى بالبر والطاعة؟

Consultation Image

الإستشارة 25/03/2026

إذا تعارضت أوامر برّ الأم مع برّ الأب في أمر غير معصية، هل أبرّ بيمين أمي أم بيمين أبي؟

الإجابة 25/03/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فمسألة التعارض بين طاعة الأب وطاعة الأم من المسائل الدقيقة التي تناولها الفقهاء بعناية، وهي تقع ضمن باب "ترتيب الحقوق". إذا أمرك أبوك بأمر وأمرتك أمك بنقيضه (في غير معصية).

 

فالخلاصة: أن الإنسان العاقل يستطيع ـ بالتحايل والمراضاة، والنظر أي الطرفين يمكنه أن يقبل، وأي الطرفين غضبه أسرع، وأيضًا النظر في مآلات الأمورـ أن يخرج العاقل من 99% من المواقف دون أن يغضب أيًّا من الطرفين، إن استحكمت الأمور، فأمور الولاية يقدم رأي الأب لأنه ربان السفينة، والرجال قوامون على النساء، وفي أمور البر والرعاية والترضية والنفقة تقدم الأم، لحديث من أحق الناس بحسن صحابتي، جمعًا بين النصوص.

 

وسأفرض مثالاً: قالت له أمه تزوج بنت خالك، وقال له أبوه بل تزوج بنت عمك، العاقل يمكنه أن يفكر في مخارج، بأن يتزوج من ثالثة بموافقة الطرفين، أو يذهب إلى أحدهما ويستعطفه ويسترضيه، ويهديه مما يحب حتى يرضى، أو إذا كان عمه أو خاله من العقلاء، يتفق معه أن يرفض هو وبالتالي لا إشكال. ومن كانت نيته خيرًا فلن يعدم الحيلة.

 

وإليك أقوال العلماء بالتفصيل:

 

1. القول الأول: تقديم حق الأم مطلقًا

 

ذهب جمهور العلماء (الشافعية، والمالكية، والحنابلة في رواية) إلى أن حق الأم مقدم عند التعارض لحديث أبي هريرة رضي الله عنه حين جاء رجل وسأل: "من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك". قالوا إن تكرار الأم ثلاث مرات في الحديث يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر، وللأب الربع، ولأن الأم تعاني من مشاق (الحمل، والوضع، والرضاع) ما لا يشاركها فيه الأب.

 

مثال: إذا أمرتك الأم بزيارتها وأمرك الأب بالبقاء للعمل معه (وكان العمل غير ضروري)، تُقدم رغبة الأم.

 

2. القول الثاني: تقديم حق الأب في الطاعة والأم في البر

 

يرى بعض العلماء (وهو مشهور مذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد) أن هناك فرقًا بين "الخدمة والنفقة" وبين "الطاعة". فالأم مقدمة في "صلة الرحم، والإحسان، والرفق، والنفقة"، أما الأب فله "الطاعة والولاية" لأنه هو القوّام على الأسرة والمسؤول عنها. واستندوا إلى أن الأب له ولاية على الولد وعلى الأم أيضًا (الزوجة)، ولأن طاعة صاحب الولاية آكد.

 

3. القول الثالث: التفصيل بحسب المصلحة ونوع الأمر (وهو ما يتناسب مع مقاصد الشريعة)

 

يميل كثير من العلماء المعاصرين والفقهاء المحققين إلى النظر في "طبيعة الأمر":

 

* إذا كان أحد الأمرين فيه نفع أكبر: يُقدم من يترتب على طاعته مصلحة راجحة أو دفع ضرر أكبر.

 

* إذا كان أحدهما أكثر تضررًا: يُقدم من يشتد تأذيه من المخالفة؛ فإذا كانت الأم أرق قلبًا وأكثر تأثرًا، قُدمت لمراعاة خاطرها.

 

* قاعدة "الجمع كلما أمكن": يحاول الولد استرضاء الطرفين بشتى الوسائل (مثلاً: إقناع الأب بأن يذهب للأم أولاً ثم يعود إليه)، فالأصل في البر هو محاولة الجمع لا الترجيح.

 

عند وقوع التعارض الحتمي فيُنصح الابن باتباع الخطوات التالية:

 

1. الاستئذان: اذهب للأب واستأذنه في تنفيذ رغبة الأم من باب "تطييب خاطرها"، والعكس صحيح.

 

2. الإقناع: حاول إشعار الطرف الذي ستؤجل أمره بأنك لم تقدم الآخر عليه تفضيلاً، بل لضرورة أو لظرف طارئ.

 

3. التقديم بالمعروف: إذا استحال الجمع، فجمهور العلماء على تقديم الأم، مع ضرورة الاعتذار للأب بأسلوب لين وتقبيل رأسه لئلا يجد في نفسه شيئًا. وتذكر أن هذا كله في "غير المعصية"، أما إذا أمر أحدهما بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. والله أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

كيف تدخل السرور على قلب والديك؟

الرابط المختصر :